قولوا للقايد

-« علاش راهم يقولوا له نحّيلنا بوتفليقة؟ »

تسأل امرأة أحد الشباب المارّين من أمامها وهي تُتابع مجموعة من المتظاهرين تُغني وتتقدّم أمامها نحو ساحة أودان.

-« خالتي، مشي نحّيلنا، راهم يقولوا له نحّينا يعني حنا اللي نحّينا بوتفليقة ».

-« آه صحة… إذا هكا معليش… »

تكرّر هذا المشهد أمامي عدّة مرّات في مسيرة الجمعة أمس، الجمعة رقم 21، حيث تفاجئ الناس من الأغنية الجديدة التي كَهرَبت المسيرات والتي سمّاها الناس « قولولو ». يسأل كبار السن الشباب عن الكلمات، أو تسأل النساء بعضهن البعض ويحاولن التدقيق في الكلمات، بينما تحصّل آخرون على أوراق صغيرة تُشبه أحراز الغش في الامتحانات، كُتِبَت عليها الكلمات.

لكن الكلمات تتغيّر، الكل أخذ الأغنية وغيّرها حسب الظرف وحسب الإيقاع. تأتي هذه الأغنية والجزائريون يستعدون لإتمام خمسة شهور من الحراك الشعبي، وفي أوجّ الثورة المضادة التي يقودها منذ أسابيع فلول النظام الذي سيطر على الإعلام المرئي وأطلق ذبابه لتخوين الناس وبثّ خطابات الكراهية والتفرٍقة.

هذا الحراك الذي أطلقته جماهير الملاعب، وحملته أغانيهم وأهازيجهم، يعود اليوم ليكون صورة مُكبّرة عن نظام الملعب والمدرجات. فقيادة الأركان التي صارت تُخاطب الجزائريين منذ تنحّي بوتفليقة صارت تسمع جوابها كل جمعة، وحراك الجمعة يسمع جوابه أيضا وسط الأسبوع. تماما مثلما ترد المدرجات على بعضها البعض داخل الملعب.

قد يطرح قارئ ما السؤال التالي: وهل يحتاج الجزائريون أن ينزلوا إلى الشوارع كل أسبوع لإسماع كلمتهم؟ الجواب نعم، ليس فقط لأن البلاد لا توجد بها مؤسسات تُمثلهم حقيقة، بل لأن الإعلام أيضا انبطح أمام رغبة النظام في أن يتم التعتيم على الحراك، بل والترويج لسياسات القمع والترهيب والتشويه التي طالت سجناء الرأي منذ أسابيع.

أمرٌ آخر أيضا بخصوص كرة القدم، وهو فوز المنتخب الوطني أول أمس في مباراته ضد ساحل العاج وتأهله لنصف النهائي. وبصفتي من الجيل الذي اكتشف الفضاء العام والجموع أول مرة في حياته بين سنتي 2009 و 2010 عندما جيَّشَ النظام شعبًا كاملا وراء المنتخب واستثمر الكثير من الأموال في خرجات المنتخب وقتها؛ يُمكنني القول أن الجزائريين وبالخصوص الأجيال الشابة كانوا في انتظار فرصة مماثلة، أن يتقاطع تألق المنتخب الوطني مع ثورة شعبية، ليُبيّنوا أنّهم قادرون على التفرقة بين الأمرين، وأن الاحتفال بفوز منتخب كرة القدم لا يتنافى مع الخروج للتظاهر ضد فلول النظام.

ولهذا السبب أيضا أضاف الشباب إلى أغنية « قولولو » مقطع: « قولولو ما يحشوهالناش قاع بالبالون… قولولو ندّو الحرية يكون واش يكون ». جُملة شعرية كهذه هي كل ما يملكه المتظاهرون لمواجهة نظام يريد إرسال 10 طائرات مدنية و 6 عسكرية لمصر كي يحضروا مباريات المنتخب، ظنّا منه أنه سيُلهي الناس عن التنديد بفساده، جُملة كهذه هي كل ما يملكه المتظاهرون كي يُوَلِّدوا طاقة كهربائية تُحرّك بلادًا كاملة (تماما كما رأينا في حالة « لاكازا دل مرادية »)… فقولولهم لعلهم يعقلون.