و أطل سعد الحريري

أطلَّ سعد الحريري، رئيس الوزراء اللبناني المستقيل، اليوم الأحد عَبر شاشة قناة “المستقبل”، في لقاء حصري ومباشر مع الإعلامية بولا يعقوبيان، من بيته في العاصمة السعودية الرياض، ويُعتبر هذا اللقاء أول ظهور إعلامي له بعد الاستقالة المفاجأة التي قرأها من الرياض يوم 4 نوفمبر.

كان هذا بعد أسبوعٍ حافل بالأحداث وبالتراشق الإعلامي بين السعودية وإيران وحزب الله، وكانت قد سادت العديد من الإشاعات حول احتجاز الحريري كرهينة.

تعرّض الحريري في حواره هذا إلى عدّة نقاط، وإلى ما أسماه بـ “الصدمة” الداخلية والخارجية التي أحدثها قراره، وبرّر هذا الأخير قائلاً “يوجد خوف كبير على لبنان، وعلى شخصي، واستقالتي جاءت لمصلحة البلد”.

وأضاف رئيس كتلة تيّار “المستقبل” بخصوص دوافع قراره “هنالك فِرَق داخل لبنان عليها أن تفهم بأنّ تدخلّها في شؤون خارجية يضرّ لبنان، وهي لا ترى مصلحة لبنان في هذا”. ليواصل “حزب الله عليه أن يفهم بأنّه يُعرّض كل اللبنانيين للخطر، وعليه أن يبقى حزب سياسي لا حليف لقوى من المنطقة داخل البلد”. لتُعلّق الصحفية على أقواله بأنّ سقف اتّهاماته لإيران وحزب الله قلّ بالنسبة للمرّة الماضية، وهذا ما لاحظه المشاهدون أيضاً حيث أنّه تجنّب طيلة اللقاء تسمية حزب الله وإيران.

أمّا بخصوص لجوئه للرياض ومدى صحة الأقوال التي تروّج لأنه محتجز ورهينة كما عنوَنت جريدة “الأخبار”: “أنا حر ولست مسجونا، ذهبت للإمارات لرؤية ولي العهد هناك، وأنا معتصم ببيتي هنا، وعلاقتي مع الملك سلمان وولي العهد ممتازة، وكان علي أن آخذ هذه الخطوة إلى الخلف حتى أراجع حساباتي وأحمي عائلتي، هنالك تهديد على حياتي وعلى لبنان، وأعتبر استقالتي صدمة إيجابية”.

هذه العبارة (أي “صدمة إيجابية”) تردّدت كثيراً في كلام رئيس الوزراء المستقيل، حيث اعتبر أنّ الحل الوحيد الذي تبقّى له هو أن يصدِم الرأي العام والفِرق السياسية في لبنان كي يُحسّوا بـ “خطورة الوضع”، حيث اعتبر أنّ “بعض الفِرق” تزجُ بلبنان في مواقف تعرضّه لعقوبات ومشاكل إقليمية، لذلك يقوم هو بهذه الصدمة الإيجابية حتى يوعّي النّاس وقال بأنّه “سيرجع قريباً”.

أهم النقاط كانت مسألة العودة، وتقديم الاستقالة من لبنان لا من السعودية، في هذا الشأن قال الحريري: “أنا واعٍ بأنّ استقالتي غير دستورية، وأتفهّم الرئيس ميشيل عون لما يطلبني للدخول إلى البلد، وأنا سأعود”. هنا بدا الحريري متردّداً ولم يُجب بوضوح عمّا إذا كان متمسّكاً باستقالته، لذلك عندما ألّحت الصحفية بسؤالها قال: “سأقدّم استقالتي في لبنان ثم سنمرّ إلى المشاورات كي أعود ولكن بشروطي”.

الشروط التي طرحها الحريري كانت تتمحور حول نقطة “النّأي بالنفس”، قال بأنّ على حزب الله ولبنان جميعاً النّأي بالنفس وعدم التدّخل في شؤون البلدان الأخرى، لأن السعودية تساعدنا وتدعمنا لكنها لن تفعل إذا ما “دعم بعض اللبنانيين أعدائها على أذّيتها”. أي أنّ الاستقالة كانت شبه مسرحية قام بها رئيس الوزراء كي يُحوّل الانتباه ويمدُّ طاولة المشاورات من جديد.

دافع الحريري خلال المقابلة عن السعودية والقيادة الجديدة فيها، وشدّد على رباط الصداقة بين البلدين، والذي صار مهدّداً بسبب “بعض الأطراف الداخلية”.

من جهة أخرى رفض سعد الحريري التطرّق للأحداث التي جرَت يوم استقالته في السعودية، أي اعتقالات حملة مكافحة الفساد، ورفض الحديث عن علاقاته ببعض الشخصيات التي تمّ اعتقالها: “هذا شأن داخلي سعودي، لا يحقّ لنا الحديث فيه، وأتمّنى أن يكون نفس الأمر عندنا ويستطيع الرئيس عَون القضاء على الفساد”. ونفى في مَعرض حديثه أي علاقة له بالتحقيقات، لا كشاهد ولا كمتّهم.

في الأخير يمكننا القول بأنّ المقابلة عموماً كانت “باهتة” حيث ظلّ رئيس الوزراء المستقيل يتعثّر في كلامه ويتردّد في الجزم باستقالته، ولم يتطرّق أبداً للدور الذي قد يلعبه في تحقيقات الفساد في السعودية، خاصة أنّ التقارير الأخيرة تطرحُ اسم الشركة السعودية التي كان يديرها، شركة “أوجر” للتعمير وهي شركة يملكها آل الحريري، والتي أفلست وأغلقت أبوابها الصيف الماضي، وكانت ذات علاقة برجال البلاط السابقين، والذين صاروا معتقلين، ركّز الحريري في مقابلته على شروطه المستقبلية، كأنّه يستعجل العودة للحكومة من جديد بعدما فكّ ارتباطه منها، لكن الأكيد هو أنّه سيعود في موقع أضعف، ولا يبدو أن “صدمته الإيجابية” قد نجحت، ولا شروطه ستتحقّق في ظل الاحتقان الذي يسود المنطقة.