وفاة عباسي مدني، عالم قديم يختفي أمام ثورة مستمرة

1

ليلة الخميس 7 مارس، شارع ديدوش مراد يتحضّر لمسيرة الجمعة الثالثة، الساعة تشير إلى منتصف الليل، أصعد الشارع مع صديق وصحفية أجنبية خمسينية أتت معه. نعود إلى منازلنا. أسمع الصحفية تتحدث بلغة فرنسية واضحة، وتستعمل كلمات عربية أيضًا. تُخبرنا كيف أقنعت جريدتها بتغطية ثورة 22 فيفري.

  • “أنتِ شاركت في المسيرات منذ 22 فيفري؟” أسألها.
  • “منذ 1991…” تُجيبني مبتسمة.

تعيش في الجزائر منذ 30 عامًا. وعندما نصل إلى شارع فيكتور هيغو، نقفُ أمام نخلة عالية بينما تُشير بيدها إلى أسفل الشارع الذي يغرق في الظلام وتقول:

  • “عندما أرى الشباب يرفعون هواتفهم في وجوه الشرطة وقنابل الغاز اليوم، أتذكر ‘الإخوة’ وهم يرفعون مصاحفهم أمام مقر الجبهة الإسلامية هنا في شارع فيكتور هيغو.”

أسألها ما العلاقة بين الهاتف والمصحف؟ “لا شيء” تقول “كل واحد يختار سلاحه، ربما.”

وعندما نجتاز الشارع تقول لنا مرة أخرى وهي تُشير إلى الإسفلت تحت أقدامنا، في ملاحظة ذكية، “أنظروا إلى ممر الراجلين كيف انمحى من كثرة المسيرات والجموع.”

تلك الليلة، عندما كانت الثورة في بدايتها فكّرت للمرة الثانية في الإسلام السياسي في الجزائر. كنا سعيدين أن الناس توحدوا تحت شعارات غير إسلامية، وأن بُعبُعَ الفيس لم يعد، بل وأن علي بلحاج نفسه صار “يدعو” للسلمية واحترام الإيديولوجيات. طبعًا لم يصدقه الجميع. الناس عندها أسبابها، بل حتى أن بعض أتباعه ملّوا من الوجوه القديمة. الأجيال الجديدة غيّرت الشارع، منحت طاقة وقوّة جديدة للمظاهرات، الصورة لعبت دورًا كبيرا، الجزائريون دخلوا عصرًا جديدا في غضون أسابيع، غيّروا صورتهم عن أنفسهم وصورتهم عند العالم. ثم ماذا؟

2

بعد خمس جمعات، وبعد أحداث عنف وأفراح، بعد انتصارات صغيرة وخيبات أمل أصغر، بين انقلاب الجماهير على بعض الفئات ونصرتها لفئات أخرى، بعد كل هذا، جلستُ مع صديق لا يشارك في الثورة لأنه لا يصدق المسرحية. تكلمنا عن فكرة المشروع الإسلامي في الجزائر.

قال بأن مشكلة الديمقراطيين أنهم يرتابون من أي شُبهة في الدين، وأن الشباب أكثر تفهما لبعضهم من الكبار. مشكلة أجيال إذا. يعني الشاب الذي يريد تطبيق الشريعة هو نفسه من يريد أن يسافر ويعيش في الخارج، ويريد زوجة جميلة وعشيقتين ويريد إسلاما يُشبه إسلام تُركيا أو أندونيسيا. فكرة الدين والجهاد واللحية والقميص ليست مثيرة للشباب.

“إسلام ليبرالي… ناس تلبس وتكسب طونوبيلات… وتتزوج أربعة… وكله بما يرضي الله… ما بقاش الشعب يحب يسبّل روحه في خاطر القضية… الشعب يبغي يزهى ويعيش… ويعمل فتاوى حسب الطلب.” هكذا تحدث صديقي، الدين في المجتمع تغيّر، صار له عشرين سنة من وقت شيوخ الخليج وعمرو خالد ودراهم قطر.

3

في الجمعة الثامنة، لما الشرطة ضربت قنابل الغاز في النفق الجامعي، لما المتظاهرين شعروا أنهم بلا حول ولا قوة، لما ضُرِبَ الغاز والرصاص المطاطي، وجد الناس أنفسهم يرفعون صوتهم بخليط من اليأس والأمل: “سلمية…. سلمية…. سلمية….” وكل جمعة، سواء شُفت العنف أو ما شفتوش، كنت عارف أنه الناس فاهمين درس التسعينات التي لم أعرفها أنا لأني وُلِدت فيها ولم أشهَدها.

فهمتُ أيضًا، بما أن هذه الثورة هي مواجهتي الأولى مع الدولة المُحتكرة للعنف، أن ما خرجنا لأجله يوم 22 فيفري ليس بوتفليقة وعصابته فقط بل تاريخ وذاكرة مختطفة منذ عقود. أذكر الكهول الذين منعوا الشباب الذين كانوا يريدون رشق الشرطة بالحجارة وهم يرددون: “نبقاو سلميين، نبقاو سلميين”، والشاب الذي يصرخ: “الله أكبر… علي بلحاج” كي يُغيض أفراد الشرطة. رأيت في كل مرة مجتمعًا يتراشق بجراحه وبعُقده قبل أن يتراشق بالأحجار والغاز مع “الدولة”.

وخلال السلمية، شاهدنا جميعا الأفراد الذين يحملون صور وأسماء ذويهم الذين اغتيلوا خلال الحرب الأهلية. جاؤوا يسيرون بين مئات الآلاف تخليدا لذكراهم والتحامًا بجماعة أكبر تشترك ذاكرة حاربها نظام بوتفليقة والعُصَبُ التي استمرّت بداخله.

4

قبل الجمعة العاشرة من الثورة مات عباسي مدني. من هو عباسي مدني بالنسبة لي؟ أنا الذي وعيتُ في جزائر ما بعد الحرب الأهلية، أنا الذي كنت لا أزال ألعبُ في الشارع عندما خرج هو من السجن وطار خارج الجزائر؟ في الحي الذي تربّيتُ فيه، كان علي بلحاج أكثر شهرة من عباسي. لاحقًا عندما بدأت قراءاتي حول الحرب الأهلية وبدأت مشاهدة الفيديوهات القديمة، وجدتُ عباسي بلا كاريزما وخطيبًا ركيكًا.

عباسي مدني هو أيضا الاسم الذي وجدته بالصدفة في دليل هاتف مدينة الجزائر لسنة 1989، اشتريته من بائع كتب قديمة قبل سنوات. وجدت اسمه ورقم هاتفه وعنوانه القديم في حي حيدرة. عندما مات هذا الرجل تابعتُ على فيسبوك وتويتر تعليقات الناس، من عاشوا الحرب ومن لم يعيشوها مثلي، تابعتُ تواصل التراشق بالتُهم والشتائم بخصوص هذا العجوز الميّت. ناس تقول مجاهد، ناس تقول إرهابي، ناس تقول إرهابي ولكن مجاهد… ثم هنالك من يقول أنه مسؤول عمّا حصل في الحرب الأهلية ولكن ليس وحده، الجنرالات كانوا مسؤولين أيضا.

ثم جاءت الجنازة… شوارع بلوزداد امتلأت بمئات المشيّعين الذين جاؤوا ليصلّوا على جثمان العجوز. سؤال واحد كان في رأسي وأنا أشاهد الصور والفيديوهات: ماذا كنا سنفكر أمام هذه المئات لو لم تقُم الثورة في الجزائر، ولم نألف رؤية الملايين في الطريق يهتفون بشعارات “ديمقراطية”؟ هل كنا، نحن الذين نريد دولة مدنية وديمقراطية لا عسكرية ولا إسلامية، لِنخاف من منظر الجموع وهي تهتف “عليها نحيا وعليها نموت، وفي سبيلها نجاهد، وعليها نلقى الله”؟ أظن أن القدر لعب في مصلحتنا، طردنا بوتفليقة وأسقطنا فزاعة التسعينات قبل أن يموت شيخ الجبهة ويعود من منفاه الاختياري، فلو أن من شيّعوا جثمان عباسي بالأمس فعلوا ذلك في عالم موازي يكون فيه بوتفليقة قد نجح في تمرير الخامسة، لكانت تدعمت الفكرة القائلة بأن النظام هو الحاجز بين الإسلاميين وبقية المجتمع. أما بخصوص ما حدث في الجنازة فهو وداعٌ أخير، ليس لجثمان رجل عجوز فقط، بل هو وداع لحقبة كاملة لن تعود. أصوات ودموع الكهول والشيوخ الذين زحفوا من كل الجزائر لتوديع حلم قديم، ليس سوى تغريدة بجعة قبل موتها.