معرض “خرائط”: إعادة تشكيل مدينة الجزائر بين الضوء والجُنوح

عندما كتب الفيلسوف الفرنسي غي دوبور في الخمسينات نصه عن “نظرية الجنوح” (La théorie de la dérive) لم يكُن يأمل في استعادة شخصية المُتسكّع الذي يمشي في مدينة يعرفها ويَحِنُّ إلى ماضيها، لا، تلك كانت شخصية من القرن التاسع عشرة. دوبور كان يُريد مجموعة لا تتجاوز الثلاثة أشخاص، تمشي في مدينة وتجنحُ في سيرها ضمن سياقات وطُرقٍ قد يأخذ المشي فيها يوماً كاملاً. هذا ما نكتشفه في المعرض المُشترك  للمصورتين صونيا مرابط (الجزائر) وكونستنز فلام (ألمانيا) الذي رعاه معهد غوته بالجزائر، ونظمه أمين حتو المكلف بالمشاريع الثقافية في ذات المعهد، وافتُتح أمس السبت 26 ماي بمساحة Sylabs بالجزائر.

“خرائط” هو اسم المعرض الذي كان ثمرة إقامة فنية للمصورتين، حيث عملتا خلالها على فضاء مدينة الجزائر، وإذا كانت صونيا مرابط، المصورة الجزائرية التي درست تصميم الأزياء، قد انصبّ على غابة بوشاوي (غرب المدينة)، فقد اختارت المصورة الألمانية كونستنز فلام الفضاء العُمراني للجزائر كموضوع لصورها وجنوحها في المدينة.

جمع ما تبقى من الضوء

في النص الصغير المُرفق بالصور، كتبت صونيا مرابط (التي تنتمي لمجموعة المصورين Collective 220) أنها كانت تزور غابة بوشاوي كل يوم خلال الدقائق الأخيرة التي تسبق الغروب، سواء لوحدها أم مُرافقةً بواحدة من الموديلات الثلاث اللواتي اختارتهن كموضوع بشري وسط الفضاء الغابي. حيث انقسمَ تجهيز صور مرابط على ثلاث مجموعات، بثلاث وجوه مختلفة، تشترك كلها في توزع “حفنة” من الضوء على مشهد كثيف وغني من التراب والشجر والخُضرة الداكنة.

تماماً مثل معرضها الذي شاهدته منذ سنتين عن منازل بلا سقف في جانت (الصحراء الجزائرية) لا تزال مرابط مشغولة بالضوء وبصناعة صورٍ تبدو للوهلة الأولى داكنة، لكننا مع المُشاهدة نكتشف أن خيوط ونقاط الضوء القليلة هي ما يُشكل كل ذلك المشهد الداكن. بل أن المُشاهد لصور مرابط في معرض “خرائط” سيتساءل عن توقيت أخذ الصور، الضوء الذي يسبق الغروب قد يكون أيضاً هو الضوء الذي يأتي بعد الفجر، كما يُمكن أن يكون كشّافات عالية التوتر في ليل الغابة. هنالك انطباع قوي ساوَرني بأن المُصوّرة كانت تذهب كل يوم قبل الغروب لجمع ما تبقى من ضوء النهار -ضوء بدرجة جميلة بين الأبيض والوردي- على الأوراق والأشجار والتُراب وأجساد البنات.

الغُميضة

هنالك دائماً زوايا حادة في صور كونستنز فلام عن الجزائر. سواء في صورة شرطي بساحة أودان أو صورها للطوابق الأخيرة لبنايات المدينة، بل وحتى لمدرّجات القاعة البيضوية التي بناها البرازيلي أوسكار نيماير. “كُنت أريد التصوير داخل جامعة العلوم بباب الزوار، لكن الأمر كان مُعقّد، طلبوا من السفارة الألمانية أن تتقدم بطلب لوزارة الشؤون الخارجية وتأخر الأمر…” تقول لي كونستنز التي لا تُخفي إعجابها بأعمال أوسكار نيماير في الجزائر، والتي لم تتمكن من تصويرها.

مدينة الجزائر خادعة بالنسبة للمصور، ككل مدينة كبيرة تضم هندسات وعوالم كثيرة متجاورة، لكن كونستنز نجحت في خلق جنوحها الخاص داخل هذه الغابة المعمارية، والتقطت ما يجبُ التقاطه، لتمنحنا عيناً جديدة نرى بها المدينة؛ كما نجحت أيضاً في وضعها للصور داخل المعرض، حيث اختارت كونستنز -عكس صونيا التي علّقت صورها على جدارين- أن تضع صوراً بأحجام مختلف على صناديق خشبية، وتحتها أيضاً. هنالك نوع من الغُميضة (Hide and Seek) في تجهيز المصورة الألمانية، يجعلنا نكتشف الصور التي تتمنّعُ علينا وتتوارى خلف بعضها، مما يجعل المُشاهد ينفاعل بجسمه ويديه مع الصور المعروضة حتى يكتشفها.

اختيار كونستنز للمدينة كموضوع لصورها لا يعني أنّها تموضَعت على النقيض من عمل صونيا مرابط (الغابة)، بالعكس، فهنالك خيطُ ضوءٍ ممدود بين صور المرأتين. ففي صور فلام يوجد أيضاً ضوء نهاية النهار، وإن كان نابعاً من غروب مُختلف، غروبٌ مديني، مُحاصر بالبنايات والهوائيات الخارجة منها وبالبواخر الراسية في الأفق، والذي تُحاصره فلام أيضاً بتأطيرها المُميز والذي يُسيطر على قراءتنا لصورها.

 تجربة بصرية جميلة يمنحها لنا معرض “خرائط”، والذي سيدوم شهراً كاملاً بمساحة Sylabs، ويفتح لنا طرقاً جديدة للتفكير في الفضاء العام الذي نشغله ويشغلنا.