رسالة إلى الصحافي السّجين خالد درارني

من مصطفى بسطامي

صحافيون “مع وقف التنفيذ”!

أخي خالد،

أكتب إليك هذه الرِسالة، ولا أدري حتى إن كنت سأُرسلها لك فعلا، أم سأُبقيها حبيسة الأدراج!! فاللائق والمتعارف عليه أن نُضَمِنَ مراسلاتنا للسُجناء الأخبار المُفرحة لا المُحزنة، التي تبعث على التفاؤل لا التشاؤم. ومع أنني عادة لا أُحبذُ خرق قواعد اللباقة، لكن منذ إيداعك الحبس المؤقت في الحراش ثمّ القليعة قبل عشرين يوما، أو يزيد، والعبث مستمرٌ، بل ويتضاعف.

نعم. لن تكون رسالة مواساة مني، لتأكُدِي بأن معنوياتك داخل الزنزانة أقوى من معنويات جلاديكَ خارجها. ولهذا سأسرد عليك بعض الأخبار التي وقعت خلال فترة غيابكِ، مع أنني لا أعلم ما الذي يصلك من أخبارٍ يومية وأنت في السّجن. فإن كان مصدرك الوحيد هي الجرائد، فقد تكون سعيدًا بما تقرأُ، من تصريحاتٍ رسميةٍ. رغم أنّ حذاقتك لا شكّ ستُنبئك بأنّ جزائر الجرائد أبعد بكثيرٍ من أن تكون جزائر الواقع.

ولهذا، فأنت محظوظ يا خالد في زنزانتك، لأنك لم تُصدم بمُشاهدةِ مواطنين يشكلون طوابير للحصول على كيسِ سميدٍ أو حبات بطاطا، أو لإيداع ملف الاستفادة من منحة المليون سنتيم. ومحظوظ لأنّ أسوار السجن منعت عنك سماع آهات بل وبكاء مواطنين من البليدة وولاياتٍ أُخرى، فقدوا مصدر رزقهم اليومي، بفعلِ منعهم من العمل، دون أن يُوَفرَ لهم ما يُجنبهم ويُجنب أبناءهم الموت جوعًا.

لا أظنك كنت ستكون أحسن حالا، لو شاهدتَ وضعِ العديدِ من الأطباء، الممرضين، عاملي النظافة، وأعوان الأمن، وهم عاجزين عن مواجهة الوباء بفعل نقص الإمكانيات البشرية والمادية، وأُصيب بعضهم ومات آخرون مرضا.

بل قد تتمنى يا خالد لو تُسجنَ ألف مرّة على أن تُشاهد مريضا بالسّرطان يموت مرميا وسط غابة باسطاوالي (غرب العاصمة الجزائر)، بعد أن رفضت المستشفيات اِستقباله رغم النداءات المُتكرّرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي للتكفل به.

ثمّ ما عساك تفعل خارج السجن ! والصّحافيون المُستقلون ممنوعون من دخول المناطق الأكثر تضررًا من الوَباء، بل لا تُمنحُ لهم حتى التراخيصُ بالتنقل داخل ولاياتهم خلال فترات الحجرِ الصّحي. فإن كان الأمر الصادر في حقك هو الإيداع في الحبس المؤقت، فإن أمرا موازٍ صدر في حقنا يقضي بإبقائنا صحافيين “مع وقف التنفيذ” ..!

آه نسيت .. تماديت في الوصف، ونسيت أنني أُعرضُ نفسي لأن أُسجن وتُكال لي تهمة التشكك في قدرات الدولة .. نعم، لقد صار مجرد التشكيك مُحركًا للمتابعات القضائيةٍ في ” الجزائر الجديدة “!.

بل قد أتابع بالتزوير، إذا خاطبتك بالصحافي، فأنت إما لست صحافيا، حسب النائب العام المساعد لدى مجلس قضاء الجزائر القائل بأنّ هناك من الصحافيين المساجين من لا تتوفّر فيهم صفة الصحافي “بمفهوم القانون”. وإما أن تكون صحافيا لكنك مجرم، حسب وكيل جمهورية لدى محكمة سيدي امحمد … هذا ما جاء في تقريرٍ بثه التلفزيون العمومي ! بعد سلسلة من الهزات التي مست القطاع خلال العشرين يوما التي قضيتها في السّجن يا خالد. حيث حُكم على سفيان مراكشي بسنة سجنا نافذا. وتم التحقيق مع ثلاثة صحافيين من جريدة الصوت الآخر ، ووُضعوا تحت الرقابة القضائية، بسبب مقال صحافي، ثمّ مُنع عن الجريدة الإشهار العمومي وأغلقت. كما حجب في الجزائر موقعان اِلكترونيان من أنشط المواقع الإخبارية وأكثرها جدية في نقل الواقع، وهما مغرب ايمرجنت ، و راديو  آم، بل وتعرّض صاحبها الزميل الإعلامي احسان قاضي إلى التهديد بالمُتابعة القضائية!

لكن، لا تحزن يا خالد، فما حدثتك عنه هو مشهد محزن لا يُشكل كل الصّورة. والمشاهد الإيجابية التي صنعها مواطنون خلال هذه الأزمة السّياسية والصّحية، قادرة على أن تُنسينا ذلك السّواد. منها التضامن بين الجزائريين الذي لم يتوقفُ، بشكل يعزز اللحمة الوطنية ، وحجم التحدي الذي رفعته الطواقم الطبية والإدارية العاملة بالمستشفيات كان مثاليا، وحتى أخبار نجاحات الجزائريين لم تنقطع، خاصّة بعد أن فاز الشاب الجزائري عبد الوهاب عيساوي  بجائزة البوكر للرواية العربية .

أُبلغك في الأخير أن حملة التضامن مع قضيتك لا تتوقف، إذ تصلنا يوميا رسائل مُساندة بعضها مُصورّة وأُخرى مكتوبة لصحافيين ومواطنين عاديين، يُعبرون فيها عن دعمك واِعترافهم وتقديرهم بمهنيتك، وأظن هذا أبلغ وأشرف من أيّ اعتراف آخر يأتيك من مسؤول في جزائر التلفزيون العمومي.

اِجلَد يا خالد.. فصحيح أنك قد تقضي أسابيع وربما أكثر في السّجن، ولكن مثلما يقول المثلُ الشّعبي:”ما يدوم غير الصّح”. ستخرجُ قويا، ويصغر ظالموك.

مصطفى بسطامي