خمس ملاحظات على الجمعة الخامسة من الحراك الشعبي

1. اتّضح أن التخوّف من خروج “الثورة من المساجد” خاطئ، أو لم يأخذ أصحابه وقتًا لمعرفة ما تغيّر في عقلية الجزائريين بخصوص شُبهةْ الدين في الفضاء العام. فبعد الجمعة الخامسة، صار المتظاهرون يتجمّعون في العاصمة –وعديد المُدن الأخرى التي تابعت ما يجري فيها على شبكات التواصل الاجتماعي- منذ الصباح، دون انتظار خروج المصلّين الذي فتح الطريق أمام المسيرة الأولى. من جمعة لأخرى شاهدتُ الأعداد في تزايد منذ العاشرة صباحًا، كل مرّة هنالك تجمّعات أكبر، تتضاعف بعد الصلاة. لكن أهم شيء هو أن الخوف من “التجمهر” اختفى، والفضاء العام انفتَح، هنالك شعور حقيقي باستعادة الشوارع والجدران،

2. شكون سبابنا؟ كل من نزلوا في المسيرات، في كل أرجاء البلاد، هتفوا نفس الشعارات –على اختلاف صياغتها- وهي أنّ: الدولة هي اللي سبابنا. والدولة في القاموس الجزائري ليست المؤسسات، بل مجموع مكوّنات النظام أي كل من يملك السلطة ويحتكر العنف. كل فئة تعرف “دولتها” التي قمعتها أو همّشتها أو دفعت بأولادها للحرقة أو الهجرة من البلاد. لذلك أعتبرُ مطالب الجزائريين في الشارع واضحة وصريحة، رغم كل الذين يقولون أن المطالبة برحيل أو تفكيك النظام غير كافٍ. ما يجب فعله الآن هو تحضير أرضية واقتراحات للمرحلة الانتقالية وليس التعنّت في سماع صوت المواطنين من جهة النظام ولا المناداة بالبحث عن مُخلِّص ومُمثّل للشعب. الدور الذي يجب أن يلعبه الإعلام اليوم هو إفساح المجال للمختصين في القانون، للسياسيين، لكل من يحمل مقترح ويسير بين الناس ومعهم. يجب إفساح المجال للفكرة ومناقشتها وليس لاسم فلان أو فلان ومناقشة مصداقيته من عدمها.

3. الجزائريون اليوم، أو على الأقل الملايين التي نزلت إلى الشوارع، صاروا يحاولون إيجاد إجابات لكل شيء. فإذا دعا أحدٌ لحرق أعلام دول أجنبية، صار التحذير من الدعوة وانتقادها أكبر من الدعوة نفسها. وإذا ما انتشرت “إشاعة” وجود لجان إلكترونية تُحاول تفريق صفوف الحراك الشعبي بالتعليقات والصفحات التي تستعمل ورقة الجهوية والقَبَلية، تجدُ الجميع يأخذُ صورًا لشباب يحملون راية تامزغا وراية أولاد نايل بجانب العلم الجزائري. هنالك أيضًا فكرة الوصول إلى المرادية التي –ومن دون فهم لرمزيتها عند الكثيرين- صار قطاع واسع من المواطنين يدعو للتخلّي عن فكرة الوصول إلى المرادية والبقاء في وسط المدينة في الأسفل. وقبل كل هذا هنالك شعارُ “سلمية… سلمية” الذي ظهر منذ أول الأيام الأولى كردٍ على عقودٍ من احتقار النظام للشعب ووصفه بالعنيف والهمجي. الفكرة هي أن الجزائريين يحاولون، شبابًا وكهولا وأطفالا، تحت الشمس أو تحت المطر، تقديم أفضل صورةٍ ممكنة حتى لا يُمسَكَ عليهم شيء، يحاولون تقديم كل الإجابات على أسئلة واتهامات مغلوطة وغير منطقية ومُضلِّلة، لكننا وحتى الآن لم نسمع إجابات عقلانية تخاف على مصلحة الجميع من جهة النظام.

4. هذه الصور ليس هدفها النظام أو الخارج، صحافةً وشعوبًا، فقط. هنالك رغبة كبيرة في أن يرى الجزائريون أنفسهم في مرآة، ويسمعون أصواتهم أيضًا. المستوى الأول واقعي، أي أن الحراك الشعبي جعل الملايين يسيرون جنب بعضهم البعض، ويحاولون –في حدود المُمكن- أن يكونوا متعاونين ومتفاهمين تُجاه بعضهم البعض، ويكتشفون حكايات بعضهم من خلال الأحاديث والتعليق على اللافتات. المستوى الثاني رمزي، وهو ما رأيته مثلا كل مرّة عندما تدخل مسيرةٌ النفق الجامعي بالعاصمة –وأنفاقًا أخرى في باقي مدن البلاد، حسب الفيديوهات- هنالك شيءٌ يُشبه الطقس داخل هذا النفق الذي كان بعض الشباب –في جزائر ما قبل 22 فيفري، وطيلة عقود- يصرخون فيه حتى يُرجع صدى أصواتهم، أما اليوم فصار الآلاف يردّدون شعاراتهم داخله كأنَّ بهم رغبة لسماع صوتهم، للتأكّد من أنه حقيقي ومشروع. من جهة الصورة الرمزية، يُمكن أن أذكر كل الصور التي اشتهرت منذ بداية الحراك، من راقصة الباليه إلى “أخوّة” المدنيين والشرطة وتقاربهم، بالإضافة إلى صور النساء الجميلات أو الشباب الوسيمين وما إلى ذلك من مظاهر شعبية للجمال و”التحضّر”، وهو ما وصفه أستاذ جامعي (فيصل صاحبي) بأنه يندرج في ثقافة الأنستغرام: “أنشُرُ أجمل صورة/لحظة في يومك”. فبعد كل مظاهرة يجدُ الجميع نفسه يختار أجمل الصور ليومه. وهي وظيفةٌ جديدة نسبيًا لشبكات التواصل الاجتماعي بعد أن كان فيسبوك وتويتر في 2011 مثلًا ينقلان الخبر والصورة “فقط”، وفي الغالب تكون صور تجاوزات وأعمال عنف أو اعتداء أو قتل. وربطًا بما سبق، تُخبرني صحافية أجنبية، تعيش في الجزائر منذ بداية التسعينات، أنّها وجدت صعوبة في إقناع أكبر صحيفة في بلادها بتغطية الحراك الشعبي، لأنّهم يعتبرون كلمة حراك أو ثورة في بلد “عربي” مرادفًا لأعمال عنف وحرب شوارع. هذا التصنيف الجائر عاشه الجزائريون في أقسى حالاته، خلال الحرب الأهلية وما بعدها، ليس من الصحافة وحدها بل ومن طرف الحكومات والأفكار المُسبقة التي جعلت كلمة الجزائري تُذكّر بالإرهاب. هذا سببٌ آخر لإعلاء الكلمة والصورة “الجميلة” عند الجزائريين اليوم، حتى عند من لم يعيشوا الحرب الأهلية. لكن لهذا الأمر مخاطره أيضًا، لأنّه يُغطي على ما يحدث في الصفوف الأمامية التي تتشابك مع الشرطة، ويُقصي جزءًا مهمًا من المجتمع (أبناء الأحياء الشعبية، وأبناء الطبقات الهشّة) من حق كتابة “القصة الجماعية”. فعندما أقرأُ تعليقاتٍ مثل: “ألم تجِد صورة أفضل من هذه لتُلخّص بها اليوم؟” على صورة مصور شاب جيّد ومشهور “في الخارج” تُبرز شاحنات الشرطة تضرب الشباب برشّاش المياه، أتذكّر كل المرّات التي سلَبت فئة معيّنة من المجتمع حق السرد من فئة أخرى.

5. الشرطة أغلقت حي تيليملي (بالعاصمة) بالكامل في الجمعة الخامسة. أي أنه تحوّل إلى الحاجز الأخير، بعد أن كان أول حاجز قبل ثلاثة أو أربعة آخرين. نهج كريم بلقاسم كان أزرقَ من الشاحنات والسيارات وقوات مكافحة الشغب وفئات أخرى من رجال الشرطة نصف المدنيين. أمام سلمية الملايين هنالك تهيّئ وحذر شديدين ومئات رجال الشرطة الحريصين على الطريق إلى المرادية، الذي يختفي يومًا بعد آخر وراء شاحناتهم. “الشرطة لا تتعب، لكن المواطنين قد يتعبون، السلمية صعبة ويجب على الإضرابات العامة أن تتوالى” يقول شابٌ لصديقه مع نهاية يوم الجمعة الخامس، فيجيبه: “الناس خرجوا تحت المطر ! هل تخيّلت أن الجزائريين يخرجون تحت المطر حتى يواصلوا الحراك؟ سنخرج كل يوم جمعة”. هنالك شيء مهم في كلام الشابين، فرغم أن الجزائريين يحاولون إيجاد إجابات لكل شيء لكن هنالك أسئلة كثيرة لم يطرحوها بعد، مثلا: إلى متى ستستمر طاقة وسلمية الحراك أمام تجاهل من يحكم البلاد؟ تحوّلُ المسيرات التدريجي من الغضب إلى أجواء الاحتفال، أو البحث عن تسمية لكل جمعة مع مراعاة عدم استعمال كلمات مثل الغضب، كم ستدوم هذه المراعاة؟ بل هنالك من يقول أن تسمية “حراك” هي تسمية ناعمة وجعلت أحزاب الموالاة ووجوه النظام الرئيسية تُباركه وكان يجب اختيار اسم يُبعد عنه راكبي الأمواج. لكن ما يجب الانتباه له أيضًا هو أن الحراك أو “ثورة 22 فيفري” هي فرصة جوهرية كي يعرف الجزائريون بعضهم البعض بشكلٍ أفقي، بعد أن هدأت لبعض الوقت عمودية الطبقات الاجتماعية التي نسمع صوتها من حين لآخر، مرّة لتصف من يشتبكون مع الشرطة بالعرايا ومرّة لتنتقد الخروج من المساجد ومرّة لتسخر من عدم وضوح المطالب ووجوب إيجاد ممثلين عن الشعب ومرّة… للتصفيق على رجال الشرطة دون فهم ما جرى في مناطق الاشتباك ولا محاولة فهم من هم هؤلاء الشباب المعتقلون. لأنّه وقبل كل المطالب المشروعة التي يُريدها الشعب، علينا الاهتمام بالفرد، بالواحد، بحق وعدالة الواحد في وجه المؤسسات والسلاحات، لأنّ الفرد -باختلافه- هو من يبني الجماعة التي تُعجبنا صورها وألوانها وأهازيجها.