خمس سنوات على العهدة الرابعة

تمر اليوم، 17 أفريل 2019، خمس سنوات على بداية العهدة الرابعة للرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة. أذكر يوم إعلان النتيجة، والفولكلور الذي صاحَب “الفوز الساحق” لرئيس مُقعد.

الشهور التي سبقت تجديد العُهدة كانت صعبة، الناس خايفة ومش مهتمة، والقليل الذي نزل للشارع الشرطة جات واعتقلته وقنوات النظام وجرائده تكفلت بالباقي: حملات تشهير وإساءة للناس بصورهم وأسماءهم.

أتذكر الآن قصيدة كتبها مصطفى بن فوضيل لاحقًا، يقول فيها: “رئيس ممدود / أفقٌ مسدود”. تلك السنة، 2014، استخرجتُ بطاقة الناخب لأول مرّة في حياتي، ليس كي أصوّت لكن حتى تُسجّل مقاطعتي كاملةً.

في ذات اليوم، وبعد أنباء مرور بوتفليقة، وصلنا خبر موت غابريل غارسيا ماركيز. الروائي الكولومبي الذي كتب عن دكتاتوريات أمريكا الجنوبية وعن عوالم بلاد الكاريبي بطقسها الممطر والحار وأراملها الجميلات ورجالها المكسورين وعمال مزارع الموز الذين يُرمَون في البحر أحياء لأنهم طالبوا بظروف عمل إنسانية.

موت صاحب “مئة عام من العزلة” كان إشارة صغيرة لما ستعيشه الجزائر لاحقًا، الجزائر التي كانت قد دخلت في عقودٍ من العزلة، ومضت ببطريركها المُقعَد نحو كوميديا سوداء يقودها بهلواناتٌ دمويون. يُمكنها -أي البهلوانات- أن تجعلك تضحك على التلفاز، لكن لو تجرأت وفتحت فمك أو نزلت إلى الشارع… ستقتلك.

الخمس سنوات الأخيرة كانت ثقيلة بشكل خاص. تخيّل أنك تفتح عينيك على بلاد حابّة تُرقد، ولما تحاول تتكلّم يخبرونك أنّ من قبلك فتحوا عينيهم في بلاد كانت كلها دم، فاحمد ربّك وامشي مع الحيط.

العُزلة، هذا ما فرضوه علينا وحاربونا به. العالم والوقت كله يتحرك من حولنا، والجزائر -بمساحتها الكبيرة- مثل جسد مريض وسط حركة العالم والوقت. عام يجيب عام والناس لازم ترضى، يحكوا لنا على التقشّف، يحكوا لنا على مخاطر الإرهاب، يحكوا لنا حكايات حتى نخافوا ونرضوا بجسد نصف ميّت يحكمنا.

أصعب وأخطر شيء قادر يحدث لناس صغار في العمر في ظروف مثل هذه، هي أنهم يبدؤون في التبرير للوضع القائم، ويبلعطو نفسهم من باب أنه ربما التغيير الناعم والصغير هو ما سيُحدِث الفارق، وهو ما حصل معي لفترة طويلة. خاصة أنه العزلة ما تكونش على شعب كامل فقط، بل على مستوى الأشخاص، فكرة أنك تصير معزول عمّن  حولك وتسمع صوتك فقط، داخل فقاعتك.

هل خروجنا للشارع يوم 22 فيفري كسر هذه العزلة وسيُصلح الأحوال؟ نعم، كسرنا العزلة ولكن لن تنصلح الأحوال بمجرّد الخروج، لأن أمامنا أرضًا حرثها النظام لعقود ورشّها بالملح حتى تبور، ولأن النظام لايزال هنا بوجوهه وبخلفياته. لكن أيضًا، وهذا شيء مهم، العزلة كسرناها قبل 22 فيفري، الملايين التي نزلت الشارع، وعلى رأسهم الطلبة، أثبتوا أنهم أبقوا دائمًا على فُتحةً يتنفسون منها ويتصلّون عبرها مع الخارج؛ وعلى الفتحة هذه أن تكبر وتتسع وتبتلع الجميع.