خالد درارني يرفض الدقّ على آخر مسامير نعش الصحافة

إذا كان تاريخ 22 فيفري 2019،يومًا مشهودًا في تاريخ الجزائر الحديث، كونه شهد انطلاقة الحراك الشعبي، فقد كان يوما أسودا في تاريخ الصحافة الجزائرية، التي أدارت ظهرها لثورةِ شعبٍ! فلم تبث القنوات التلفزيونية تلك المسيرات، ولم تنقل حتى خبر الانتفاضة، وعنونت الجرائد في اليوم الموالي صفحاتها الأولى بـ”الشعب يُريد الإصلاحات” مُحرفة بابتذالٍ المطلب الحقيقي وهو رحيل عبد العزيز بوتفليقة وأخوه السعيد، ومن دار في فلكهما خلال العشرين سنة الماضية.

ثم جاء تاريخ 28 فيفري 2019، الذي نظم فيه صحافيون وإعلاميون وقفة في ساحة الحرية بالجزائر العاصمة، لـ”دعم ثورة الشعب” وشارك فيها حتى الصحافيون والإعلاميون الذين كانوا محسوبين على نظام بوتفليقة، بل وكانوا الأكثر تحمسا لها ونقدا للنظام، والأكثر ظهورا عشية ذلك اليوم في النشرات الإخبارية، فأحسن كثيرون حينها الظنّ بالمُحتجين، واِعتبروا خطوتهم توبةً، بل وتضامنوا معهم.

ومضت أيام انفتحت فيها “بلاطوهات” التلفزيونات على آراء المعارضين حتى منهم الأكثر شراسةً. وأصبحت المسيرات الشّعبية تتصدّر عناوين الجرائد، وتُنقلُ مباشرة على القنوات التلفزيونية، وحسب الناس أن الإعلام حقق مكاسب وخطا خطوات نحو الاستقلالية لا رجوع بعدها.
لكن لم تمضِ أسابيع، حتى تبيّن أنّ تلك التوبة لم تكن سوى إعادة تموقعٌ، واصطفاف إلى جانب السّيد الجديد، وبدأت نفس الوجوه الإعلامية التي كانت محسوبة على عهد بوتفليقة، تتلون بلون النظام الذي جدّد جلده، وسارت معها وجوه أخرى تسعى لأن تُواكب المتملقين بعدما تخلفت من قبل، وعاد تزوير شعارات الشّعب ومطالبه، وعادت العناوين والنشرات تُدارُ بالهاتف، وعادت “ريمة إلى عادتها القديمة” أو لأسوأ.

ووسط ذلك التعتيم والاصطفاف، ظهر صحافيون كانوا وبقوا مُستقلين، وناقلين للحقيقة قبل وبعد بوتفليقة، ولم يُبدلوا تبديلا. وأبرز هؤلاء الصحافيين وأكثرهم عنادًا كان خالد درارني.
خلال تلك المسيرات كنت ألتقي خالد، أكثر من مرّة في اليوم، حيث كان حريصا على أن يُلمّ بكل خبر، ويأخذ كل صورة، أو فيديو يرى أنها الأكثر نقلا لواقع ما يحدث في الميدان، والأبلغ في التعبير على مطالب الشعب المُحتجّ، فكنت أصادفه في شارع أو زقاق، حتى أن عدستا هاتفينا كانتا تلتقيان أحيانا في نفس الصّورة، ونتبادل الحديث مدة حتى يُفرّقنا حدثٌ أو ضرورة التقاط صورة أخرى، وهكذا.

وكذلك إلى غاية نهاية صائفة 2019، حيث كان النظام قد جدّدَ جلده، وتخلصت عصبة من أخرى، وبدأ في تطبيق سياسة “فرق تسد”، ولم يبق سوى التعتيم على المتظاهرين، ومطاردة ناقلي الحقيقة، فانطلقت الضغوط الأمنية على الصحافيين المصورين للحراك الشعبي، من خلال التوقيفات، الاستدعاءات، والتهديداتٍ المباشرةٍ أو غير المباشرةٍ.

وخالد هو الصحافي الأكثر تعرّضا لتلك المُضايقات، ربما لجُرأته وصراحته في الطرح، وللصدى الذي تلقاه صفحته على موقع “التويتر” والذي يتخطى حدود الجزائر، ومع ذلك، كان يقول لي دائما، ونحن نتناقش أمر تلك الضّغوطات التي تزيد يوما بعد آخر:”في كلّ الأحوال لن أُغيّر خطّي التحريري”.

ورغم بدأ الاعتقالات في حق صحافيين، إما بسبب الحراك الشعبي أو بتلفيق قضايا أخرى لهم، فإن خالد بقيَ صامدًا، وحتى بعد أن مُورسَ عليه نوع آخر من الضغط، وهو نشر فيديو ركبه أشخاص “مرتزقة” لفقوا له تهما، لا يزال البعض إلى الآن يتداولها ويُصدقها (بغباءٍ أو بقصد الإساءة) رغم أنها خالية من أيّ معنى.

وبعد محاولة استدراجه بالإغراءات حينا، والتهديد حينا آخر، وبعد اليأس من العُثورِ له على أيّ تهمة جاهزة، يمكن اِمتطاؤها للتغطية على اِعتقاله وسجنه، أوقف خالد وهو يُؤدي مهامه في تغطية حراكِ السّبت، وينشر آخر فيديو له للحظة اِعتقال المناضل سمير بن العربي، ولفقت له تهمة المساس بالوحدة الوطنية، والتحريض على التجمهر، وأمر قاضي التحقيق لمحكمة سيدي امحمد بإخضاعه للرقابة القضائية، وبنذالة لا مثيل لها، يستغل الظرف الاستثنائي الذي تعيشه الجزائر اليوم، ليتمّ الزّجُ به في السجن. ومع ذلك بقي محافظا على معنوياته المرتفعة، وحتى روح الدعابة، وحتى وأنا اتصل به مرة بعد صدور أمر الإيداع، وأساله فيما إذا احتاج شيئا أو تنقلا، رد بابتسامته المعهودة مازحا:”سيارة التوينغو (2001) التي تملكها أسوأ وسيلة يمكن استعمالها للهروب”.

صحيح أنه في هذه الأثناء (الأحد 29 مارس 2020) يقضي خالد أوّل ليلةٍ له في المؤسسة العقابية بالحراش، وصحيح أيضا أنها نفس الأسوار التي يُسجن وراءها مسؤولون من نظام بوتفليقة (ومُستقبلا مسؤولون من النظام الحالي) لكن سجنه سيبقى عقوبة جسدية، لا معنوية، لأن خالد لم يُجرِم في حقّ أحد، بل العكس، أنقذ الصحافة من أن يُدقّ على نعشها آخر مسمار … فشكرًا خالد ..
مصطفى بسطامي