حطب سراييفو: قِسمةٌ غير عادلة للتاريخ والجغرافيا

يعود الكاتب الجزائري سعيد خطيبي في روايته الأخيرة « حطب سراييفو » (منشورات الاختلاف، 2018) إلى حقبة التسعينات ويوزع قصة روايته على صوتين وتاريخين، صحفي جزائري اسمه سليم وفتاة بوسنية اسمها إيفانا.

نسمع قصة كل شخصية بالتوالي، فصلًا بفصل، وينطلق كل واحد منهما من بلده ليلتقيا صدفة في لوبليانا (عاصمة سلوفينيا)، المدينة الوحيدة التي لم تمسسها نيران حرب البلقان خلال التسعينات.

سليم الذي يعيش على هامش الحرب الأهلية في الجزائر والذي يوزع وقته بين عمله في الجريدة، وجارته مليكة، مدرسة الإنجليزية التي تجمعه بها علاقة غرامية؛ يجد نفسه بين ليلة وضحاها بلا عمل بعد إغلاق الجريدة التي يعمل بها، ويتلقى دعوة لزيارة عمه سي أحمد الذي يعيش منذ سنوات في العاصمة السلوفينية.

أما إيفانا التي تعيش برفقة أمها وأختها في مدينة أنهكها الحصار والحر طيلة سنوات، فقد وجدت نفسها مجبرة على ترك البوسنة وحمل مخطوط المسرحية التي تحاول كتابتها بالإنجليزية والذهاب للوبليانا بحثا عن عمل وحياة أفضل.

مصائرٌ وتاريخ متقاطع

ليس التاريخ الاشتراكي هو ما تتقاسمه الجزائر مع جمهوريات يوغسلافيا السابقة، هذا ما سنكتشفه، بل حتى تاريخ الحرب الأهلية والذي وإن اختلفت تفاصيله إلا أنه يبقى متشابها بين الجزائر والبوسنة مثلا؛ حيث لازال الناس يختلفون في تسمية الحرب غير متفقين على اسم واحد لها. هناك أيضا الشعور بالخذلان من البلاد ككل، حيث يبتعد سليم عن الجزائر لينسى جوّ الرعب، وكذلك تفعل إيفانا.

لغة التقرير

الرواية التي جاءت في 325 صفحة كُتبت بضميري المُخاطِب، لكل من سليم وإيفانا، بلغة تقريرية بسيطة سلِسة مع استعادة بعض الخصوصيات اللغوية من الجزائر والبوسنة، خاصة ما يمكننا تسميته بلهجات الحروب، حيث يسرد سليم في أكثر من موضع كيف كان يتكلم الجزائريون عن « الأحداث » وكيف يسمون الرصاص « بالبلوط » وكيف يصفون الحرب « بالحية » أو « الجمرة ».

كذلك تفعل إيفانا بذكرها لكلمات كثيرة من الصربوكرواتية، حيث أدخل الكاتب عددًا من الكلمات والعبارات في النص العربي.

تداخل الخرائط

نتابع في الرواية إذا قصة سليم وعائلته، سي أحمد المجاهد والحركي في نفس الوقت الذي هر إلى يوغسلافيا قبل أن تتفكك، وشارك لاحقا كسمسارٍ في حرب البلقان وخاض مغامرات مشبوهة؛ إيفانا من جهتها تسرد قصة والدها ومقتله خلال الحرب. وكلما ابتعد سليم وإيفانا عن نقطة البداية في السرد والجغرافيا يجدان نفسهما يعودان إليها محمّلين بمعلومات وقصص جديدة عن أصولهما وتاريخ عائلتيهما.

لنجد في الأخير أن « حطب سراييفو » هي رواية عن معنى الحروب الأهلية، سواء في الجزائر أو البوسنة أو رواندا، وكيف تتصادم مصالح البشر كلما أصرّوا على قِسمة التاريخ والجغرافيا.