بورتري: على أعتابِ السنة الجديدة… ماذا فعل الجزائريون بساعاتِهم خلال 2018

قبل بداية سنة ونهاية أخرى، وبين الداعين إلى انطلاقات وأهداف جديدة في 2019 ومن يرى أن تعبير “السنة الجديدة” لا يعني شيئًا، سوى تغيّرًا في الأرقام. قرّرتُ زيارة أشهر ساعاتي في شارع ديدوش مراد، أكبر شوارع مدينة الجزائر، لأرى ماذا سيكون رأيه في الموضوع، هو الذي يُصلّح ساعات الجزائريين كل يوم ويضبطُ بشكلٍ ما أوقاتهم وزمنهم.

41 شارع ديدوش مراد، هذا هو العنوان. عندما تدخل سيقابلك درج رخامي يصعد نحو عدد من المحلّات، ولكن على يمين هذا الدرج وعلى بُعدِ خُطواتٍ من المدخل ينتصبُ بابٌ حديدي أسود تحت لافتة تحمل كلمة Quartz.

المحل في حجم علبة كبريت، يقع في فجوةٍ تحت الدرج وعلى جانبه، لكنّه مؤثّث بطريقة جميلة ودقيقة تليقُ بمحرّك ساعة. كأننا دخلنا إلى عيادة طبيب أسنان.

منذ الخمسينات

تشبيه المكان بعيادة أسنان لم يكُن مجّانيًا فالساعاتي الأربعيني أخبرني أن المحل أصله عيادة، وكان يشغلها طبيبٌ فرنسي طيلة سنوات الاستعمار، في حين كان والد صاحب المحل قد بدأ مهنته كساعاتي داخل كُشكٍ صغير في مدخل العمارة. “لا زال شريكي، أي ابنه وصاحب المحل، يحتفظ بالكشك… كان يعمل في مدخل العمارة وبجانبه كانت تعمل عجوز يهودية تبيع بطاقات قمار سباق الخيل، وبعد الاستقلال بسنة أو سنتين، فرغ المحل وانتقل الساعاتي إليه من الكشك… هكذا أخبروني.” يضيف الساعاتي وهو ينكبُّ على طاولته.

أراقبُ الكرسي الجلدي والطاولة المنظمة، الجدران مغلّفة بالخشب وتحمل ساعات من كل الألوان والأحجام، أما بقية الجدران فهي تحمل فترينات زجاجية تحوي بداخلها ساعات يد نسائية ورجالية لكل الأعمار وطبقات المجتمع، من الصين إلى سويسرا مرورا باليابان.

الرجل “شباحه ساعة”

أسأله عن كيف يرى الجزائريون -أو على الأقل من يدخلون محله- الساعات في زمن صار فيها الهاتف الذكي ينوبُ عن الساعة والهاتف والكاميرا والمسجلّة وعديد الأشياء الأخرى. يُجيبني: “لا شيء تغيّر، من يحب الساعة مازال وفيّا لها ومن لا يهتم للساعة مازال بعيدًا عنها… واحنا الجزايريين يقولوا الراجل شباحُه ساعة وهو أمرٌ يمشي على الرجل والمرأة.”

ثم يضيف: “ما تغيّر فعلًا هو بعض الأسعار وندرة بعض الماركات، بسبب قوانين الاستيراد والتصدير، صرنا لا نتمكّن من الحصول على بعض الماركات سوى عبر تجار الكابَة، ما عدا هذا مازال البيع والشراء والتصليح على حاله.”

يتحدّث أيضًا عن مهنته، كيف تعلّم في بداية الألفينات المهنة في نفس المحل، أسأله إذا ما صارت مهنةً نادرة اليوم، أن يكون الشخص ساعاتِيًا. يقول: “نعم ولا، هناك بعض الساعاتيون في الجزائر العاصمة، لكن أصحاب الصنعة ليسوا كثيرين.” يسمي لي بعض الأسماء في حسين داي والحرّاش والأبيار، ثم يُعلّقُ: “ما صار نادرًا ربما هو التعامل وتصليح الساعات الميكانيكية القديمة.”

لكن يبقى المحل معروفًا في منطقة الجزائر الوسطى، ويأتي الكثيرون لشراء الساعات أو إصلاحها. هنالك بعض الزبائن الذين كانوا يسكنون وسط العاصمة منذ عقود ثم انتقلوا إلى أحياء وولايات أخرى، ولكنهم لا يصلّحون ساعاتهم سوى عند محل 41 شارع ديدوش مراد.

الساعة الأولى… التجربة الأولى

خلال المرّات التي تردّدتُ فيها على المكان، رأيتُ رجلًا يدخل مع بنتَيه (مراهقتان) ويبدأ في اختيار ساعة لكل واحدة منهما. أخبرني الساعاتي لاحقًا: “راك تشوف… لما يشتري الأولياء لأطفالهم ساعتهم الأولى يحرصون على أن يكون الأمر أشبه بمرّتهم الأولى في البحر أو المرة الأولى لدخولهم المدرسة أو المرّة الأولى التي يركبون فيها الطائرة، رغم أن الأطفال غالبًا لا يواصلون مع الساعات.”

وبخصوص علاقة الجزائريين بالزمن، يقول أن الساعة تُنظّم الوقت ولا تؤثر على سيرِ الزمن، وإذا كان الجزائريون منضبطين في مواعيدهم أو لا فهذا يرجع للسياق العام والمجتمع وليس الساعة التي يلبسونها.

أما أكثر مشاكل الساعات شيوعًا -حسب خبرته التي تتجاوز العِقد من الزمن- فيقول: “غالبًا هناك تغيير البطارية والماء، لا ينتبه الناس لبعض الساعات عند الغسل أو السباحة أو الاستحمام، وللأسف بعض الساعات تفسدُ مباشرة… بقية المشاكل تتنوّع بين تغيير السِوار أو موت الساعات، بعد عشرين أو ثلاثين سنة من الخدمة… حتى الساعات تموت، لذلك علينا شراء ساعات جديدة دائمًا.” يقول مبتسمًا ويعود إلى وضع العدسة المُكبّرة على عينِه اليُسرى.