اليوم الأدبي الكوري-الجزائري: الماضي الاستعماري المُشترك والراهن المُتفاوِت

شهدت قاعة الأوركيدةبفندق سوفيتيل (الجزائر)، أمس الاثنين، فعاليات اللقاء الأدبي الكوري الجزائري، والذي نظمّته سفارة جمهورية كوريا ومؤسسة Korea Foundation، وذلك بحضور سفير كوريا الجنوبية في الجزائر بارك سانغ جين، وعدد من الأدباء والكتاب على رأسهم رئيس جمعية الصداقة الكورية الجزائرية والكاتب محمد مغاني والكاتب الكوري لي غيل وون.

تمّ التطرّق في هذا اليوم الأدبي إلى عدّة محاور بخصوص الأدب والمجتمع في البلدين، بدءاً بالتجربة الاستعمارية، والتي عاشتها كوريا مع اليابان بين 1908 و1945، والجزائر مع فرنسا بين 1830 و1962، وصولاً إلى تأسيس الدولة القومية والتطورات التي طرأت على المجتمعين وواجهها الكتاب في أعمالهم.

الكوري لي غيل وون عرض موجزاً لتاريخ ولادة اللغة الكورية المُسمّاة بالهَنغول، وتطوّرها مع الزمن وصولاً إلى بداية القرن العشرين، تاريخ ولادة الأدب الكوري، ليعرض بعدها الآثار التي خلّفها الاستعمار الياباني وتقسيم الكوريتين على الأدب في كوريا الجنوبية.

من الجزائر، كان الشاعر والناقد أمين خان حاضراً ليُقدِّم ورقته التي قارَب فيها الأدب الجزائري ونشأته، وصولاً إلى بلورته الحقيقية مع الثورة التحريرية خاصة مع كتاب مثل محمد ديب وكاتب ياسين، ثم الانشقاق في معسكر المثقفين الذي جاء مع الاستقلال بسبب اللغة والايديولوجيا؛ ثم تفرّق المصائر والنضالات بالكتاب حتى ضمن اللغة الواحد بعد أن صار المعُرّب ينتظر الاعتراف من المشرق والمفرنس ينتظره من باريس، حسب قول خان. لكنّه ذكّر أيضاً بتحوّلات الأدب الجزائري خلال العشرية السوداء، واغتيال المثقفين والكثير من المشاريع الثقافية التي انتهت قبل أن تبدأ، حسب قوله.

في الجزء الثاني ركّز الشاعران الكوريان را تاي جو وجون هاي إيل على تاريخ الشعر الكوري، وأثر الثورة الصناعية الرابعةعليه. حيث كان الشعراء الكورين مُلتزمين بإظهار مدى سلاسة لغة الهَنغول في صياغة بلدٍ كامل، بدءاً من الشعر وصولاً إلى عالم الرقميات والتكنولوجيا حيث أن لغة الهَنغول تتأقلّم مع النصوص الكلاسيكية وشاشات الهواتف الذكية، يقول الشاعر را تاي جو، لكنّه ذكَرَ بالمقابل جُملة دالاي لاما عن الشعب الكوري: “الكوريون أغنياء ولكنّهم ليسوا سعداء، الجملة التي تُبيِّن تأثير التكنولوجيا والعالم الرقمي على حياة الكوريين اليوم، الأمر الذي عقّب عليه جون هاي إيل بقوله: “على الشعر اليوم أن يتأقلم هو أيضاً مع هذه الحياة، سواء في شكل القصيدة أو الوسيط الذي يحملها ونقرأها عبره، لأن القصيدة صارت تُقرأ على شاشات الهواتف وليس بالضرورة في الكتب“.

محمد ساري، الكاتب والمترجم الجزائري، قدّم مداخلة أيضاً بعنوان الرواية والمجتمع في الجزائر، عرَض فيها مختلف التأثيرات المجتمعية التي صاغت الرواية الجزائرية منذ العهد الاستعماري، ثم الأسئلة التي برزت مع تكوّن الوعي الوطني وصولاً إلى الثورة، وكيف حاولت الرواية بعد الاستقلال الإجابة على أسئلة المشاريع السياسية الكُبرى للنظام وقتها، وصولاً إلى التسعينات والأزمة الأمنية والمجتمعية التي عاشتها البلاد.

المداخلات التالية كانت حول النشر والمجتمع المدني في الجزائر، في حين واصل الأدباء الكوريون مداخالاتهم حول تأثير حرب الكوريتين خلال الخمسينات على الأدب، ثم الانقسام الذي خلق لكل بلدٍ أدبها، الأمر الذي دفع بكوريا الجنوبية لثورة صناعية وانغلاق أتبعه خروج قوي للعالم، خاصة بتنظيم الألعاب الأولمبية نهاية الثمانينات وكأس العالم سنة 2002.

جدير بالذكر أن الأدب الكوري الجنوبي اليوم يُعَدُّ من أهم الآداب الصاعدة في قارة آسيا والعالم، حيث لا تقتصر المنافسة بين هذا البلد واليابان على الصناعة والتكنولوجيا، بل تعدّى هذا ليصل إلى الإنتاج الأدبي، حيث تُعد لغة الهَنغول أكثر لغة تُترجم إليها الآداب العالمية اليوم، هذا بالإضافة إلى توفّره على أسماء عالمية مثل الأديبة هان كانغ والتي حازت على جائزة البوكر الدولية للرواية سنة 2016 على روايتها النباتية“.

في الأخير يُمكننا القول أنّه، ورغم التجربة الاستعمارية التي صاغت هوية البلدين وخطّهما السياسي لاحقاً –وإن اختلفت الظروف ومدّة الاستعمار، إلاّ أنّ الأدب الكوري عرف كيف يُحافظ على مساره الخاص، على نشاط مجلاته ونشرياته وتقدّم في خطٍّ أصيل، حيث كان الإنسان دائماً في مركزه، عكس ما حدث في الجزائر مع أغلب الإنتاج الأدبي، حيث غرقنا في تساؤلات هوياتية ولغوية منذ 60 عاماً ولم نخرج بعد، إلاّ قلّة قليلة عرفت أن القصص الفردية بعيداً عن الخطوط العريضة للتاريخ والسياسة دائماً أهم من تحويل الأدب إلى فرع للدراسات الأنثروبولوجية.