العاصمة البيضاء تُغيّر لونها إلى الأزرق

لم أكن أتخيلُ يومًا أنني سأسيرُ في شوارعِ العاصمة، كاللّصّ، أسارعُ في خطواتي لأن لا يتعقبني أحد .. أتجنب المرور بمحاذاة الشاحنات الزرقاء المركونة على طرفي الشَّوارع حتى لا تبتلعني إحداها .. أتفادى الالتفات يُمنةً أو يُسرى لكي لا يَشكَ أعوان الشُرطة في نشاطي المشبوه .. وأهمُّ من هذا وذاك أن لا أُضبطَ بالجُرمِ المشهودِ : هاتفٌ في يدي !

صارت طويلة، بل لا نهاية لها شوارع هذه العاصمة التي كنت أقطعها صغيرا في دقائق ذهابا وإيابا نحو قاعة الألعاب بشارع أحمد شايب (طونجي) أو نحو ملحقة متوسطة باستور بشارع العربي بن مهيدي (ديزلي سابقا) أو ثانوية عروج وخير الدين بربروس (شارع عبد الكريم الخطابي) .. أو غيرها من الأماكن التي شهدت طفولتي.
أصبح غائمٌ سَقفُ هذه العاصمة التي كانت زرقته تعدُني بغدٍ أكثر إشراقا.

لَمَا أَعُد أستمتع بصخب المدينة الذي لا يهدأ إلاّ بمقدم الليل، حيث عكّر نوتات تلك الموسيقى ضجيجُ طائرات الهليكوبتر، وصفارات الإنذار.
لا يمكن أن أستمتع بهندسة طرقاتها وعماراتها وبناياتها، فمجردُ رفع نظري نحوها هو شُبهة.
إنّ الجو غير الجو ..
إنّ الزمان والمكان غير الزمان والمكان ..
صرت ضيفا ثقيلا على جدران وشوارع وأرصفة وأعمدة هذه المدينة، بل إنّ كل شيء فيها يترصدني .. يترصّد حركاتي وسكناتي، هفواتي وعثراتي.

عبارة “أنا صحافي” لم تعد تعبر بي لا شارعًا ولا زقاقا، ولا حتى رصيفا، بل بالعكس من ذلكَ تجعلني محل متابعة قضائية، أو في أحسن الأحوال رهينة لساعاتٍ داخل مركز الشُرطة.

تغطيتي للجمعة 118 من الحراك الشعبي كمتظاهر كانت أسلم لي من تغطيته كصحافي. جُبت الشوارعَ رفقة المواطنين الذين كانوا يحاولون فكّ الحصار، انطلاقا من مسجدِ النصر بباب الوادي نحو الشارع الرئيس (العقيد لطفي) الذي أغلقته شاحنات الأمن، مُرورا بالأزقة والساحات نحو ساحة كتاني.

“لهذا قلنا دولة مدنية مشي عسكرية” يصرخ أحد المتظاهرين منتقدا التطويق الأمني للعاصمة .. “ما نولوش للوراء” يقول آخر بنبرة ساخطة ومتوعدة بمسيرات أخرى نهارا أو ليلا ، جمعة أو يوما آخر من الأسبوع، “المهم نحرروا لبلاد” .. وتوالت الهتافات والصرخات من هنا وهناك لمواطنين اتفقوا على أنّ “الحراك الشَّعبي والمسيرات هو تعبير عن رفض”، وأنّ “الرّفض سيتواصل .. بطريقة أو بأُخرى سيتواصل”.

مصطفى بسطامي