روبورتاج – 26 فيفري: من باب الزوار إلى الجامعة المركزية… كيف استعاد طلبة الجامعات الشارع

الثلاثاء 26 فيفري 2019، التاريخ الذي قرّر فيه طلبة الجامعات الجزائرية الالتحاق بمسيرة 22 فيفري ورفض العهدة الخامسة على طريقتهم. انتشر الخبر على فيسبوك وتويتر، وانتظر الجميع هذا التاريخ بعد أن هجرت السياسة من الجامعات منذ سنوات التسعينات، وصارت الدروس لا تتوقّف سوى بسبب إضرابات يقوم بها الطلبة والأستاذة بالتناوب، غالبًا لأسباب بيداغوجية أو إدارية.

 قبل الساعة العاشرة بدأت الصور تنتشر على فيسبوك وتويتر. جامعات الجزائر العاصمة الكبرى بدأت احتجاجها من جامعة العلوم والتكنولوجيا بباب الزوار شرقًا حتى جامعة الجزائر 2 ببوزيعة غربًا مرورا بالجامعة المركزية وكلية الحقوق بسعيد حمدين وكلية الإعلام والصحافة وجارتها كلية العلوم السياسية بجامعة الجزائر 3. هذه الأخيرة، درستُ فيها لخمس سنوات، وكنتُ أودّ أن أحضر حدثًا مماثلا فيها، لكني فضلتُ الذهاب لجامعة باب الزوار التي كانت أقرب.

مروحيات وبوابة مخلوعة

ما أن وصلت أمام الجامعة، مع الساعة الـ 11 صباحًا حتى سمعتُ صوت المروحية فوق الجامعة المعروفة بشساعة مساحتها. المروحيات تُستعمل في المسيرات لمعرفة حركة الجموع. اتصلت بصديقة تدرس في الجامعة فقالت أن الطلبة يحاولون الخروج من البوابة الرئيسية والشرطة تمنعهم. وما أن وصلت أمام البوابة الملاصقة لبوابة إقامة البنات “باية حسين” حتى دفع الطلبة بالبوابة وخرجوا.

الشرطة تراجعت لتحاصر التجمع، ولكن أعداد الطلبة كانت في ازدياد، سيلانٌ من الطلبة بنات وأولاد، شاهدت بنتًا من العائلة تدرسُ في المدرسة العليا للإعلام الآلي، عمرها لا يتجاوز العشرين وحازت على البكالوريا بمعدل امتياز، لم تكن تشارك في الإضرابات حتى، ماذا أتى بها لمظاهرة ضد العهدة الخامسة لبوتفليقة؟ لم أقترب منها وتركتها تهتفُ مع أصدقائها، مُنتَبهًا إلى أن كل المدارس العليا القريبة من الجامعة التحقت بمسيرة جامعة باب الزوار.

🔴 مسيرات من المدارس العليا القريبة تلتحق بتجمع طلبة جامعة باب الزوار الطلبة يرددون شعارات ضد #العهدة_الخامسة #26فيفري

Posted by Casbah Tribune on Tuesday, 26 February 2019

بعد أن خرج الطلبة من البوابة وصار من المستحيل احتوائهم، سارت المظاهرة جهة الغرب، مع سور أكبر جامعة في الجزائر. مئات؟ لا بل آلاف الطلبة، أكثر من نصفهم بنات، بنات من جيل وُلِد مع أو بعد وصول بوتفليقة إلى الحُكم، يرفعون أوراقًا على شعاراتهم التي لوّنوها بنفس أقلام اللباد الصفراء والوردية التي يستعملونها في مراجعة محاضراتهم. رأيتُ شابًا فوق كرسي متحرك يدفعه أصدقائه، جيلٌ أصغر مني في العمر، بيننا سنوات قليلة، ولكنهم أكثر تحرّرًا مع شعاراتهم وصراخهم.

الطلبة ينتفضون في جامعات البلاد

مع منتصف النهار تداول الناس صورًا لجامعات من أقصى الجنوب حتى أقصى الغرب وأقصى الشرق، سكيكدة وجيجل وتمنراست وتلمسان والجلفة وتيزي وزو وبومرداس ووهران وبليدة… بحرٌ من الطلبة احتلّ شوارع بليدة. لكن طلبة الجامعة المركزية ظلوا محتجزين في الداخل. سرتُ بين الطلبة أحاول أن أفتح حديثًأ معهم عن سبب الخروج، لكن الحماس كان أكبر. وعندما وصلت المظاهرة إلى ملتقى الطرق الذي يستدير عنده الترامواي ويذهب نحو حي الموز في خط مستقيم، توقفت المظاهرة وتجمهرَ آلاف الطلبة مُردّدين شعارات “جمهورية مشي مملكة” و “جزائر حرة ديمقراطية”. تكلمت مع طالبة في قسم الميكانيك فقالت أنها تدرس في الجامعة منذ خمس سنوات، ورأت العديد من الإضرابات ولكنها لم تتصور يوماً أن يكون ملتقى الطرق الرئيسي بين الجامعة وحي رابية الطاهر مسدودًا هكذا، ضحكت وقالت: “C’était juste impensable”، أي أنه لم يكن مُفَكّرًا فيه أصلا. سألتها لماذا خرجت، فقالت: “ما راناش نتقدمو، كلش تحسّو مبلوكي.”

حلّوا البيبان… مازال الجمعة مازال

مع الساعة الثانية زوالًا كانت المظاهرات قد شلّت كل الأماكن المحيطة بالجامعات التي خرج طلبتها في ولايات البلاد، هكذا تابعنا جميعًا على فيسبوك الذي كان يُشوّشُ عليه طبعًا. وصلتُ وسط الجزائر واتجهت نحو المركزية، وجدتُ الطلبة يُغنون وهم يتشبّثون بالبوابة الرئيسية في الطريق الجانبي النازل من شارع باستور. الشرطة واقفة تتفرّج، والناس يردّدون الأغاني ويرمون زجاجات المياه. الطلبة يرددون “مازال الجمعة مازال” مشيرين إلى المسيرة التي يُدعى إليها يوم 1 مارس القادم. ثم بدأ غناءٌ جماعي لأغنية “لا كازا دل المرادية”. في هذه الأثناء وصلت مظاهرة أخرى انطلقت من شارع فيكتور هيغو وحاولت الشرطة حصرها عندما اقتربت من الجامعة المركزية.

بعد نصف ساعة اندلعت أولى المواجهات، أعالي شارع ديدوش مراد، بدأت الشرطة تُبعد المتظاهرين بعنف، وبدأ رمي قنابل الغاز. أنا كنت قد تراجعت إلى اسفل، لكن صديقًا أخبرني بأنه استنشق غازً كثيرًا. اليوم  في وسط الجزائر انتهى برائحة الغاز وبعض الاعتقالات (لا أملك رقمًا محدّدًا) على مستوى كنيسة الساكري كور، أعلى شارع ديدوش مراد. كما أن قوات مكافحة الشغب نصّبَت حاجزها في على مستوى قصر الشعب (الحاجز الذي كان يوم الجمعة في الأعلى، أي أقرب إلى قصر المرادية). اعتُقِلَ بعض الطلبة وضُرِبوا بقنايل مسيلة للدموع، وكان هذا عنيفًا خاصة أن الكثيرين لم يتوقعوا أن يكون هنالك عُنف ضد الطلبة. لكن يبدو أن وسط العاصمة دائمًأ هو الاستثناء. رغم ذلك صرخ الشباب على بعضهم حتى لا يردوا الضربات والأحجار على الشرطة، وحاول سحب الذين فقدوا وعيهم أو اختنقوا بالغاز، تراجعوا إلى مداخل العمارات.

🔴 أولى مواجهات بين الشرطة والطلبة قرب كنيسة ساكري كور بالجزائر

Posted by Casbah Tribune on Tuesday, 26 February 2019

ماذا تغيّر اليوم؟ هكذا صرتُ أسأل نفسي مع نهاية كل يوم مظاهرات، كمن يحسبُ أرباحه وخسائره. الذي تغيّر هو أن الجامعات التي كانت اتحاداتها المساندة لأحزاب الموالاة تُسيطرُ على السياسة، أو تقتلها وسط الحرم الجامعي، ذابت في هذا اليوم أمام جيلٍ جديد بيَّنَ أن الفضاء العام والسياسة وأحوال البلاد يهمّانه، وخرج بكل سلمية ليُعبّر عن رفضه.