إلى آخر الزمان… وأبعد

شهدت قاعة “الموقار” (الجزائر)، أمس الاثنين، العرض الشرفي لفيلم “إلى آخر الزمان” للمخرجة ياسمين شويخ، الفيلم الروائي الطويل الأول لصاحبته والذي كانت قد أنتجته شركة “مايكنغ أوف”، بدعم من “إنجاز” وهو برنامج دعم يُخصّصه مهرجان دبي السينمائي الدولي.

يروي الفيلم (93 دقيقة) قصة بلدة سيدي بولقبور، مكانٌ متخيّل وواقعي على السواء في الجزائر، شيء مثل قرية ماكوندو التي اخترعها غابرييل غارسيا ماركيز. سيدي بولقبور، وليٌ صالح يُشرف ضريحه على مقبرة تُحيط بها بلدةٌ صغيرة، بلدةٌ تعتاش على… الموت.

كل شيء يدور حول الموتى في تلك القرية، بدءاً من الوَعْدَات التي تُقيمها الزاوية، وصولاً إلى أهل القرى والمدن الذين يأتون لدفن موتاهم في تلك المقبرة، وهناك نلتقي بعلي، الدور الذي جسّده المسرحي جيلالي بوجمعة بعبقرية، حفّار قبور والقائم عليها ويُمكننا أن نُضيف له مهنة أخرى: طوبوغرافي المقبرة؛ حيث أن علي –بجسده النحيف وتجاعيد وجهه- يحفظ خريطة القبور المترامية عن ظهر قلب.

تأتي جوهر (جميلة عرّاس) في حافلة تحمل نساءً أتَين لزيارة سيدي بولقبور، تأتي هاربة من عائلة زوجها التي طردتها بعد موته، ولكنّها تأتي أيضاً خلف أثر أختها العالية، المرأة التي هربت من بيت الزوجية واستقرت في ظلِّ الولي الصالح لتعيش في بيتٍ “بابُه مفتوح وزُواره كثيرون”، هكذا يصفها لها علي الذي تُثير فضوله هذه المرأة الجالسة إلى قبر أختها، والتي تُشبهها كثيراً حسب ما تقوله لها نسيمة (إيمان نوال)، الفتاة التي تعيش بنفس طريقة أختها الراحلة.

تتقرّب جوهر من علي، دون أن تشرح له كثيراً، وتشغل بيت أختها، لكن التقرّب يكون على أساس الموت: تُقرّر جوهر البقاء القرية للموت، وعلى علي –حفّار القبور الذي يُرافق الموتى حتى مثواهم الأخير- أن يُساعدها في هذا.

هُنا تتعقّد القصة، السيناريو (كتابة المخرجة) يُشبه في تداعيه مُنحدرات وجبال منطقة سيدي بولقبور التي نراها، وهنا يجب التنويه بالكرَم والسِعَة التي حملتها كاميرا شمس الدين توزان في تصوير جبال وهضاب مستغانم، كل لقطة هي سفر، والسيناريو مثل تلك المنحدرات النازلة من القرية لا نعرف بعد كل مشهدٍ أين سنضع أقدامنا، أحدُ الحضور قال “الفيلم حاكم على شعرة”، في إشارة لسوء الفهم الذي يُدخلنا فيه الفيلم مع كل مشهد مع كل حوار، لكنّه يُباغتنا وتخرج القصة من الناحية الثانية، لنكتشف مثلاً أن أخت جوهر لم تكُن “عاهرة” كما كانت تظن جوهر، بل كانت تعمل ونسيمة في إطعام مُريدي سيدي بولقبور، ولنراها في إحدى اللقطات –وبعد أن ركبت الدراجة النارية خلف علي قاصدين البلدة، بينما يصدحُ صوت الشاب خالد من مُكبّر صوتٍ مُثبّتٍ: أنا العربي…- نراها تدخل محلاً عُلٌّقت على بابه عشرات حمّالات الصّدر المُلوّنة، لكنّها تدخل لتشتري كفناً.

تُحافظ جميلة عرّاس في هذا الفيلم على ملامح وجهها المُنقبضة لكنّها ترتخي مع الوقت وتبدأ في التخلّي عن فكرة الموت، وتبدأ علاقة حُب غير مصرّحة مع علي بين ظلال منازل البلدة وحفر القبور، لكنّها تشغل مساحة لا بأس بها من جسد الفيلم، حيث اكتشف الحضور أمس ممثّلة سينمائية رُبما لم تأخذ حقّها على الشاشة الكبيرة، وحتى عندما تبكي في المقبرة في المرّة الأولى، عندما تكتشف أنّ أختها عاشت “شريفة” ولم تكُن سوى طبّاخة مع نسيمة، نتأثّر معها ونشعر أنّنا بعيدون عن نُواحِ دورها التلفيزيوني القديم والأشهر: شفيقة، أمّا في المرّة الثانية عندما تتظاهر بالبكاء على قبرٍ مجهول، لأجل لفتِ نظر علي الذي يكون مُحاطاً بأهل ميتٍ يحفر قبره، هنا ضحكت كل القاعة على نهاية المشهد.

نبيل، جلّول (محمّد تاكيرات) وشيخ الزاوية (محمد بنبكريتي) هي بقيّة الشخصيات التي تدور في القرية، نبيل (أدى دوره مهدي مولاي ببراعة وخفّة نادرة) شابٌ يُريد أن يُطلق شركة لنقل الموتى ودفنهم، يُريد أن يفتح تجارةً في القرية “الميّتة” التي يرفض أهلها الاعتراف بأنّهم يعيشون لأجل “الموت”. أمّا جلول، دهّان القبور والشاعر الذي يرتجل في الوعدات الملحون، فيعيش خجِلاً من إعلان حُبّه لنسيمة، أمّا الشيخ فهو صورةً لشيوخ الطُرق الصوفية المُعتدلين والذي يُصلّي بالنّاس تحت قبّة كُتِبَ عليها: سيدي بولقبور… قضّاي الصوالح.

اللهجة، الألوان، الموسيقى، الذروات في السيناريو ثم الانحدار نحو مواقف مؤثرة –أو مُضحكة-، كل هذا يرمينا مباشرة في قلب الغرب الجزائري، في الملحمات الصغيرة للبلدات والأولية الصالحين وعوالم الوعدات والمُريدين والزيارات، ثقافة شفوية عظيمة ومتنوّعة عرفت شويخ كيف تستثمرها في أكثر من ناحية دون أن تطغى على الفيلم، لأن صورة علي بقميص التشونغاي وهيأته التي تُشبه دونكيشوت ونبيل بشاحنته لنقل الموتى ومشروعه الفاشل المُسمى “إلى آخر الزمان”، كل هذا وأكثر ظلَّ كعوالم وصور وأصوات حيّة من الثقافة الشعبية واليومية، كأنّنا نرى “قصّة من الغرب الجزائري… an Algerian west side story” قصة لن نُكمل سردها هنا ونكتفي بالإشارة لمولد فيلم روائي أول كبير وكريم، ودعوة سفر (لا سياحة) جميلة نحو روائح وألوان وأصوات غرب البلاد.

*يُعرض الفيلم طيلة الأسبوع في قاعة الأطلس بالجزائر.