أيها الجنرال، هل نُغلق أبواب المدينة خوفًا من الرايات؟

بعد أربعة أشهر من ثورة سلمية مستمرة، رمَت بنصف النظام الجزائري في السجن، وجعلت الجزائريين يكتشفون بعضهم من جديد، ومنحت الأمل لمن كانوا يفضلون الموت في البحر على العيش في الجزائر… وبعد أربعة أشهر من النضال السلمي المستمر، من طرف كل شرائح المجتمع، وبعد أسابيع طويلة من اللافتات الملوّنة المكتوبة بكل اللغات من طرف شباب لا يتجاوز عمرهم ربعَ القرن… بعد أن نسي الجزئريون اختلافاتهم ونقاشاتهم القاتلة والفارغة بخصوص اللغة والهوية وركنوها جانبا، يخرج علينا الفريق أحمد قايد صالح، الرجل الأول في البلاد اليوم، ليلعب على وتر الهوية ويمنح لكل دُعاة التفرقة والانغلاق على تصور قاصر للهوية الجزائرية، يمنحهم كرة خيط كبيرة ليلعبوا بها.

“رفع رايات أخرى هي محاولة لاختراق المسيرات”، يقول قايد صالح في خطابه اليوم الأربعاء 19 جوان 2019؛ لتنطلق بعدها تأويلات من يتحركون بين الحاضر والماضي قائلين أن هذا “تصحيح” من قيادة الأركان في ذكرى “التصحيح الثوري” الذي قام به هواري بومدين.

هل ترفض قيادتنا إذا رؤية جزائر متعدّدة؟ جزائر تصالحت مع نفسها خلال المسيرات السلمية وقبلت الراية الثقافية الأمازيغية وكل الرايات الأخرى من الفلسطينية إلى راية السودان ورايات كل النضالات والقضايا العادلة، إلى جانب رايتها الوطنية، وتفضل إخراج ورقة الهوية، مُصرّة على أنه قد “تم إعطاء أوامر صارمة للأمن بخصوص الرايات الأخرى”.

يتساءل قارئ حسنُ النيّة بقيادة الأركان: ما هي الرايات الأخرى اليوم التي تهدّد وحدة الجزائريين؟ هل هؤلاء الجزائريون -43 مليون نسمة حسب آخر الإحصائيات- نوايا ويُخاف عليهم من طرف راية ملوّنة؟ ما هي هذه الراية التي تُخيف بلدًا كاملاً؟ هل هي راية القراصنة؟ أم راية قطاع الطرق؟ أم راية المغول والتتار؟ أم راية البرابرة المتوحشون الذين يخيفون قيصر روما؟

يتساءل القارئ حسنُ النيّة بقيادة الأركان: هل علينا أن نُحارب الراية بالراية، أم بسلاح آخر؟ هل علينا أن نُنصِّب المرابطين على أسوار المدينة لرؤية الراية عندما تلوح في الأفق؟ أم هل علينا أن نُقفِل أبواب المدينة قبل المغرب حتى لا تسقط في يد المغول والتتار؟ أو ربما يمكننا غلق الطرقات حتى لا تصل الرايات وفرسانها إلى المدينة، نسدُّ الطرقات ونُعطّل السير، ونضعُ المتاريس ونُراقب من بعيد وننتظر صرخة المرابطين على الأسوار…

هل يمكننا، نحن الجزائريون، الذين صنعنا رايتنا قبل عقود وخاطَتها لنا امرأة أجنبية كانت زوجةً لأب الحركة الوطنية وقتها، نحن الذين ناضلنا من أجل الاستقلال مع عدّة جنسيات أخرى، وعلى عدّة جبهات، نحن الذين خرج أولادنا وبناتنا منذ 22 فيفري إلى الشوارع كي يصرخوا بنفس الصرخة ضد نفس العصابة، هل يمكننا اليوم بعد أربعة أشهر أن نخاف من راية سيدي رئيس قيادة الأركان؟