يا تُرى يأتيك يومٌ.. الطلبة يكسرون حواجز الشرطة ويحاصرون قصر الحكومة

منذ بداية الثورة الشعبية يوم 22 فيفري، شكلت مسيرات الطلبة الإجابة التي تقطع الشك بالحق، فعندما تساءل الناس هل سنخرج بعد الجمعة الأولى؟ جاءت مسيرة الطلاب الأولى يوم الثلاثاء 26 كتذكير بأن قطار الثورة قد أقلع وما على المترددين سوى اللحاق به أو تركه يبتعد. كذلك كانت مسيرات الثلاثاء، بعد كل جمعة يضعف فيها الحماس أو يكبر فيها الضجر والملل من الخروج « دون طائل ». ثم جاء شهر رمضان، ليواصل الطلبة إضرابهم ومسيراتهم كل ثلاثاء فاتِحينَ مع كل مسيرة طريقا للثورة ومحاصرين رمزًا جديدا.

العاشرة صباحا، 21 ماي، في الذكرى 16 لزلزال بومرداس وفي الأسبوع 14 لثورة 22 فيفري، وقفَ عشرات الطلبة أمام الجامعة المركزية بالجزائر. نظّموا أنفسهم وانتظروا أن يزيد العدد، في غضون دقائق تحولت العشرات إلى مئات، التحق طلبة آخرون كانوا ينتظرون شارة البداية في الشوارع الجانبية، أو خرجوا من فوهات المترو ومواقف الحافلات. مع العاشرة والنصف سدَّ الطلبة الطريق ورفعوا اللافتات ليتكاثف العدد مع انضمام المارّة والسكان.

الشرطة نصّبت حاجزا بشريا ضخما يمتد بالطول من حديقة صوفيا حتى فندق ألبير 1، لم تكتفِ بإغلاق البريد المركزي بل سدّت كل الشوارع المحيطة به، حتى لا يصل الطلبة لمبنى المجلس الشعبي الوطني كما فعلوا الأسبوع الماضي. تتقدم المسيرة نحو ساحة خميستي، وقبل أن تتجاوز الساحة نحو حاجز الشرطة، تنحرف يسارا وتصعد نحو شارع باستور، تقطعه بالطول ثم تنحرف يمينا نحو شارع الدكتور سعدان.

هنا يبدأ الركض والحماس ليلتحق الطلبة بزملائهم في الصفوف الأولى، وعلى غير العادة يكون الطريق سالِكًا نحو قصر الحكومة (الأمر الذي فسّره الكثيرون بتسامح من طرف جهاز الشرطة، لكن دون أن يعطوا سببا لهذا التسامح) ويصل الطلبة في عشر دقائق، وبعد أن يكسروا ثلاثة حواجز للشرطة، إلى مستوى مصعد الدكتور سعدان، أي في خاصرة مبنى قصر الحكومة الضخم.

يبدأ الاعتصام، يجلس الطلبة في الأرض يرددون شعاراتهم، ضد بن صالح وضد حكومة بدوي وضد أحمد قايد صالح الذي يفرقّونه عن مؤسسة الجيش ويحسبونه على العصابة. تنصب الشرطة حاجزا أمنيا جديدا يمنع الطلبة من التقدم أكثر نحو المدخل الرئيسي لقصر الحكومة، وتنزل شاحناتهم من فوق لتقفل الطريق كليّة. طلاب وعجائز ورجال بالغون ونساء، الكل رافق الطلبة في جريهم نحو قصر الحكومة. أسأل هؤلاء « الراشدين » عن سبب مرافقتهم للطلبة، بعضهم يحمل كيسا أو محفظة والبعض الآخر نزل من بيته لشراء حاجة فالتحق بالمسيرة، الكل يعطيني جوابا خلاصته: هؤلاء هم أملنا، وهم مثل أبناءنا وعلينا دعمهم. لكني أرى الخوف في عيون « الراشدين » خاصة عندما يحدث احتكاك مع رجال الشرطة، يخافون على هذا الجيل الذي وُلد يوم جاء بوتفليقة إلى الحكم ولم يشهد العشرية السوداء، وأتذكر تسمية « جيل الفراولة » التي كان يطلقها راشدون آخرون في بلد اسمه تايوان، لأن الفراولة تفسد بسرعة ولا تستحمل قساوة المناخ مثل بقية الفواكه، على جيل الثمانينات، قبل أن يقوم هذا الأخير بثورته ويحرّر بلاد كاملة.

مع الساعة 11:30 أسمع طالبا يقول لصديقه، « ما يقدروش يضربونا دايما، نفضحوهم قدام العالم ». وبعد قليل يبدأ رش الغاز على الطلبة ويضمّ رجال الشرطة دروعهم ليدفعوا بالطلبة نحو الأسفل. تستمر العملية قرابة الساعة، نتقدم ببطء ويتساقط أكثر من طالب وطالبة بسبب الغاز، يركض المسعفون في كل الاتجاهات وتنزل الكتلة البشرية ببطء في شارع د. سعدان. يدوي شعار « حنايا طلاب ماشي إرهاب » وشعارات مناهضة للشرطة وقمعها، فيما يُعدُّ استمرارا لسقوط شعار الـ »خاوة خاوة ». وعندما نصل إلى مستوى سينما ابن خلدون تبدأ الشرطة في خطف الطلبة ورميهم في الشاحنات. أغلبها كان بسبب احتكاك شخصي مع رجال الشرطة، رأيتُ بعيني كيف يغضب رجال الشرطة من « رد الكلام » فيخطفون طالبا « طويل اللسان » بعنف، كأنهم في مصارعة أو كأنهم ينتقمون من مسؤول لهم. الإحصائيات تقول أن هنالك حوالي 20 طالب موقَف.

تنزل المسيرة بدموعها وخنونتها وصراخها وتصميمها وأعلامها الضخمة التي تحمل صورة الشهيد طالب عبد الرحمن، القيادي الطلابي وصانع قنابل جبهة التحرير الذي أعدمه الاستعمار سنة 1958، نمر على درج قصر الحكومة الذي نرى مسؤولا في الشرطة يدفع برجاله كي يقفوا في الدرج من طرفه لطرفه (لقطة مسروقة من ستار وارز)، وألاحظ تردد البعض، ترددٌ لاحظته عند لحظات الاحتكاك أيضا، بعض رجال الشرطة يتراجعون، أو يضربون في الهواء، غير مقتنعين فعلا بضرورة ضرب أولاد وبنات صغار. لكن البقية تفعل طبعا.

تجتمع المسيرة من جديد في مكان انطلاقها، ولكن هذه المرة تضم آلاف الأشخاص، ترتفع الأناشيد ويردد الطلبة أنشودة « من جبالنا » والتي لم أنجح في حفظها أبدا، لكني أحببتُ الطلبة وهم يتساءلون « يا ترى يأتيك يومٌ… تزدهي فيك الحياة ».  يعودون لساحة خميستي ولكن هذه المرة ينزلون، ينظر رجال الشرطة في تساءل دائم أمام هؤلاء الأولاد الذين لم يتعبهم لا الحر والشمس الحارقة ولا الصيام. تأخذ المسيرة شارع العقيد عميروش فتغلقه، وأنبهر كيف يفتح الطلبة الشوارع والساحات كل مرة، كلما أغلقت الشرطة جهة فتحوا هم جهة أخرى موسِّعين خريطتهم ومصرّين على المسّ رمزيا بمؤسسات الدولة المهمة، من البرلمان إلى قصر الحكومة.

تصعد المسيرة إلى ساحة أودان وتعود إلى نقطة البداية مع الساعة الواحدة ظهرا، كاسرةً حاجزا تلو الآخر وجامعةً لمئات « الراشدين » والمارّة الذين لم ينتظروا الجمعة للمشاركة في مسيرة ضد النظام القائم ورئاسيات 4 جويلية التي تتهاوى أوراقها يوما تلو الآخر.

« لا خوف لا رعب… الشارع ملك الشعب »، يتردد هذا الشعار الذي رفعه الطلبة العُزّل في وجه قمع الشرطة، وتتردّد معه صور المؤطرين والمنظمين لمسيرة الطلاب، كيف يتحركون وكيف يدفعون بالدخلاء خارج الحلقة التي تقود المسيرات. يعرفون أن معركتهم هي معركة فضاء عام، معركة تواجد وفرض النفس على دكتاتورية هشّة وعنيفة في نفس الوقت، يمكنها أن تضربهم وتحقرهم وترفض بكل ما فيها من عفن رؤيتهم للحياة والسياسة وبقية الأشياء.

في الظل، حيث يتفرق الطلبة في مجموعات صغيرة، أجلس مع عجوز ثمانيني، قال لي أن المسيرات بركة وتشفي من يلتحق بها. يسكن باب الواد ويسير كل ما سار الناس ضد هذا العدو. يسأل طالبة : عييتي بنتي؟ تجيبه: لالا الحاج، أنت عييت؟ يقول: أنا ما عييتش، قادرين نروحو سبع سنين ونص كيما الثورة القديمة. ثم يقص عليها ذكرياته في عين الدفلي، حيث كان شباب من أولاد الشعب « يأكلون الأرض » تحت أقدام الاستعمار، ويقول لها أن المسيرات السلمية في قوتها وصخبها تشبه ما كان يفعله الفدائيون بجنود الاستعمار، عندما يطلقون عليهم الرصاص في الليل حتى لا يناموا: هرجوهم، لا يناموا لا يتهناو.