ندوة الإيعاز الوطني

تم أول أمس غير بعيد عن نادي الصنوبر بالمدرسة العليا للفندقة والإطعام عين بنيان انعقاد ندوة أو منتدى الحوار الوطني كون التسمية إعلاميا بذاتها ضاعت، حيث شارك العديد من الأحزاب والأوجه لكي لا نقول شخصيات وطنية كون الوطنية في الجزائر على غرار دول العالم الثالث التي تتغنى بالديمقراطية ولكنها تعاديها واقعيا، تمنح صفة الوطنية وتسوق لمن ينال رضى الأنظمة أو تصنعهم كي تلجأ إليهم عند أزماتها اللهم قلة يشفع لهم نضالهم الثوري، وعليه بالرجوع لسيرة أغلب المشاركين فما يجمعهم أنهم كانوا مع النظام في مرحلة من مراحله كالمطبلين منهم للعهدة الخامسة في وقت قريب أو مشاركين حتى بالمعارضة المدجنة خدمة له إلا قلة ورطت نفسها في هذه الندوة منهم سفيان جيلالي.
المراقب لسلوك النظام الذي سهل الطريق ومدها أمام هذه الندوة بترخيص تنظيمها مع توفير كل الإمكانيات لإنجاحها والتسويق لها عبر تجنيد الإعلام العام والخاص لا يجعل مجالا للشك أن سلطة الأمر الواقع تؤثر في مخرجاتها عن طريق حلول تعكس رؤية النظام. فمن يعطي أوامر بعدم بث مظاهرات الشعب طيلة شهر ونصف وتحوير مطالبه بأخبار مغلوطة زد عليه استعمال كل ممارسات التضييق القمعية من غلق الطرق المؤدية للعاصمة، الاعتداء على المتظاهرين أحيانا مع محاولة تقزيم الحراك وجره من قضية مصير أمة ووطن إلى قضية هوية فُصل في أمرها بقناعات واعتراف من النظام ذاته، يمكنه الذهاب إلا أبعد من ذلك خاصة مع هشاشة الطبقة السياسية والمعارضة التي لم تخرج من بيت الطاعة وبقيت تمضي عدتها بعد ذهاب بوتفليقة.
إن ما تمخض عن الندوة لم يأت بجديد بل نتاج بلاطوهات التحليل والرأي، كأنها إعادة صياغة لخطابات قايد صالح وبن صالح أعيدت صياغته جماعيا، لكن الصادم ما سبق الندوة إعلان الأحزاب أن هدفها تهيئة الأجواء لإجراء انتخابات رئاسية في فترة زمنية قصيرة واستبعاد مصطلح « المرحلة الانتقالية » الذي ترفضه المؤسسة العسكرية، ما يعني أن نضال الشعب طيلة الأربع أشهر لا يستحق إرضاءه بل خيار المجتمعين إرضاء قادة المؤسسة العسكرية فقط دون غيرها وأن النتائج معدة سلفا !
تصريح السيد عبد العزيز رحابي أن الندوة ستحاول إيجاد حل سياسي ودستوري في نفس الوقت ما هو إلا إسماع الشعب أو المناضلين لما يريدونه كوننا منذ سبع سنوات خارج الدستور وبعده بتوقيف المسار الانتخابي أما الآن فنحن على مشارف التاسع جويلية مع بقاء بن صالح على رأس الدولة سنخرج للمرة الثالثة عن الدستور الذي تمت صياغته حسب المقاس يلجأ إليه النظام ويستدل به عند الحاجة ويدوسه عندما لا يجد مخرجا وهذا هو الفراغ الدستوري في كل تجلياته.
إن أي ندوة أو حوار يعقد ولا يكون أهم بنوده الإخلاء الفوري لكل معتقلي الحراك وسجناء الرأي وضمان حرية التعبير والصحافة كأول بند، بقاء المؤسسة العسكرية في مهامها الواضحة دون التدخل أو التأثير على المسار السياسي مع إمكانية مشاركتها كطرف في الأرضية التي ستوضع لمستقبل الجزائر ما دامت على مر تاريخ الجزائر صانعة للرؤساء وطرفا في السلطة كما لها يد في القرارات المصيرية لضمان حياديتها مستقبلا بإعطاء ضمانات جدية في هذا الشأن، رحيل بن صالح واستبداله إما بمجلس رئاسي أو منتخب واستقالة رئيس وزراءه وحكومته، مرحلة انتقالية يقترح فيها مجلس تأسيسي منتخب سيد أو آليات قانونية لإعادة صياغة القوانين أو المواد الدستورية التي أساسها الشرعية الشعبية وتفعيل قوانين المحاسبة أثناء وبعد فترة شغل المنصب حتى لو تعلق الأمر برئيس الجمهورية مع تحديد عهدات هذا الأخير، إرجاع السلطة التشريعية والتنفيذية لمكانتها الحقيقية.
رغم ما يتفق ويختلف فيه حول هذه البنود أو بعض تفاصيلها بين مختلف شرائح الشعب إلا أن الجميع يريد جزائر الحلم يسودها العدل، الحرية، العدالة الاجتماعية والتساوي أمام القانون، أما غير هذا يؤكد أن الحراك الشعبي يتم محاولة اختطافه من طرف نظام عبر مراحل كما يسعى لشراء عذرية لنفسه بشرعية عسكرية ومباركة المعارضة الممسوخة، وعليه وجب استكمال هذه الثورة المتكاملة بسلمية وذكاء جمعي عن طريق مواصلة النضال، الوعي والتنظيم.
الشعب خرج منذ 22 فيفري لأجل جزائر حرة ديمقراطية لا جزائر تسَير بالإيعاز والخطابات.