!مصير مفقودي العشرية السوداء

حراك 22 فيفري المستمر إلى يومنا أعطى أملا كبيرا للشعب والشباب الجزائري خاصة الذي دفع به النظام وأزلامه في وقت مضى لمرحلة اليأس والاستقالة المواطناتية حتى لا نقول الحياتية، إذ بعد 16 فيفري الذي شهد بخراطة مسيرة كسر حاجز الخوف متحديا تغول السلطة بالآلة القمعية وفزاعة عدم الأمن والاستقرار دون تناسي التذكير بالعشرية السوداء كل مناسبة التي شكلت عقدة لشريحة كبيرة من المجتمع نظرا للحصيلة الإنسانية الثقيلة التي خلفتها من الربع مليون قتيل والعشرون ألف مفقود حسب تنسيقية عائلات المختفين قسرا.

حيث تعاملت السلطات مع هذا الملف الحساس المتعلق بمختطفي العشرية السوداء الذي يكتسي طابعا حقوقيا إنسانيا بنوع من اللامبالاة، التقزيم ومحاولة إخلاء كامل المسؤولية منه خير دليل تناقض الرقم المصرح به فيما يخص عدد المفقودين مع الذي كشفت عنه مختلف المنظمات الحقوقية بفرق رهيب حصرته في 7144 مفقود الذين تمت معالجة ملفاتهم في وقت مضى التي لا تحذوا سوى كونها تعويضات مالية لأهالي وذوي الضحايا مقابل التصريح بموت المفقود والتنازل عن حق المتابعة القضائية، وفي هذا الصدد من العائلات من رفض الانصياع وراء هذه الإغراءات مع الإصرار على معرفة مصير ذويهم.

« إسماعيل سعداوي » الذي ترعرع على يد والد جزائري مفرنس وأم فرنسية شاءت الأقدار أن ينفصلا ويختار الولد البقاء مع والده عكس أخواته اللاتي فضلن الرحيل مع أمهن إلى فرنسا، لينجح إسماعيل في دراسته ويصبح أستاذا للكيمياء بمتقنة عين بنيان حيث يشهد الجميع له بالأخلاق والانضباط. إذ ومع إنشاء حزب الفيس الذي كان ذا جماهيرية انضم إليه إسماعيل وأصبح عضوا بالفرع الثقافي ولم ينجر وراء التعصب ولا العنف، إلا أنه بتاريخ 03 أكتوبر 1992 تمت مداهمة بيتهم ليقبض عليه ويتم مصادرة كتبه والمواد الكيميائية القليلة التي كان يستعملها في بعض التجارب.

الأستاذ بين ليلة وضحاها صار إرهابيا متابع بقضية الحال فحسب والده ما جاء في تقرير الأمن حول المحتويات المصادرة لا يمت بصلة لما كان بحوزته إذ أنه لم يكن يملك كل تلك المواد الكيميائية التي تسمح له بصنع قنبلة تقليدية ولا يملك سلاحا فرديا. بعد فترة من اعتقاله صدر بجريدة المجاهد بالبنط العريض « المؤبد لإسماعيل سعداوي » ليبقى دوما على تواصل مع والده الذي زاره مرتين بسجن تازولت (لومباز سابقا) باتنة وكانت الأخيرة ليقال أنه هرب إثر انفلات أمني بمعقله الذي خلف هروب المساجين بتاريخ فيفري 1994 وشابه إطلاق للنار على الفارين ليبقى احتمالين إما أنه توفي أو فر إلى الجبال.

معاناة والد إسماعيل لم تتوقف هنا إذ بعد هذه الحادثة ظلت قوات الأمن تداهم البيت كل مرة  وتقسوا على الرجل الذي لا يعلم مصير إبنه عله على تواصل معه لتمر الأيام ويستدعى لدى مركز الدرك الوطني سنة 2004 فيطلب منه إسقاط إبنه من الدفتر العائلي والتصريح بموته لكنه قابل ذلك بالرفض وظل يتنقل بين المنظمات الحقوقية ليتضح له بأنه ليس الوحيد على هذه الحالة بل المئات والآلاف هم كذلك.

« عزيز بوعبد الله » الصحفي ذو الثلاث وعشرين ربيعا قصته ليست مختلفة كثيرا عن إسماعيل البشوش السمح إلا أنه كان ذو وجه حزين حتى في صوره رغم ابتسامته، كأن القدر فتح بابه وكشف ما تخفيه له الأيام، نجاح عزيز بمجاله الدراسي جعل منه مشروع صحفي على غرار الشباب الطموح آنذاك، توج هذا بفرصة عمل خط بها أول وآخر مقال له بجريدة ليلقى مصير الكثير من المفقودين بعد مداهمة بيت عائلته والقبض عليه بملابس النوم بإحدى الأرجل حافية.

الصحفي الذي تحتفظ أمه بنعله الذي تركه وتبكيه كل مناسبة تضع صحنه في رمضان وتنتظر في الأعياد أن يدخل عليها يعتصرها الحزن والألم منذ أن خطف ابنها على حين غفلة وما زاد قهرها ما قيل لها عند البحث عن فلذة كبدها « أنسايه » هي كلمة من ست حروف لكنها أثرها قاس، كيف لمن حملت سهرت وربت أن تنسى قرة عينها أم يخال أنه قطعة أثاث بالبيت أو خسارة مادية، من طُُلب نسيانه إنسان وروح والأمر بذلك إنتهاك للكرامة الإنسانية.

والدة عزيز والكثير من الأمهات والأهالي ظلموا في زمن بوتفليقة كما الكثيرين إذ تعرضوا للكثير من المضايقات والقمع في وقفات المطالبة بمصير ذويهم كما لم يساندهم المجتمع المدني ولا المواطنين إلا بعض المنظمات المعنية بحقوق الإنسان، زد عليه عدم توفير المعلومات عن مصير ذويهم والتحجج بالمصالحة الوطنية. الحراك الذي حرر الشعب حرر هؤلاء المواطنين أيضا ومنحهم القوة والطمأنينة لإعادة قضيتهم إلى الواجهة ألا وهي « مصير أبنائهم »  الذين يرفعون صورهم كل مسيرة رغم أنهم يكادون يجزمون أنهم ماتوا أو قتلوا لكن يريدون معرفة الحقيقة كاملة غير منقوصة أو على الأقل أن يدلوهم على قبورهم علها تطفأ نار شوقهم وأحزانهم.

ملف المفقودين من ناحية أخلاقية إنسانية لا بد أن يتبناه كل مؤمن بالعدالة الحقيقية ودولة القانون كل من في قلبه ذرة من الإنسانية كون الإخفاء القسري يعد جريمة بذاته فلا يمكن إجتثات جرم مهما كان حتى لو كان إرهابا بجرم آخر يعتله طمس للحقيقة والمقايضة على النفس البشرية.

مهما كان مصير المفقودين بالعشرية السوداء لا بد من كشف الحقيقة ليتحمل كل مسؤولياته ويؤسس لعدالة القانون والحق.