مساهمة: لتحرير الإعلام من الخضوع والريع

« المجتمع الذي يقبل بتشتيته من طرف صحافة بدون شرف (…) يسير نحو العبودية رغم احتجاجات أولئك الذين يساهمون في تدهور حالته. »
ألبير كامي

لأنه لا توجد مهمة أنبل من نقل التجربة في بلد حُكِم فيه على التعاقب بالفشل؛ لأنه لا يوجد دافع أكثر إشباعا من تكوين وشحذِ الحس النقدي في بيئة تُحيَّدُ فيها كل الأفكار المُبشِّرَةِ الغد؛ ولأنه لا توجد طريقة أجمل من تنفيذ هذا سوى انطلاقا من أفكار ورغبات، الوطن ويكاند، والذي قرّرت إدارة الوطن غلقه يوم 14 جويلية، كان تجربة فريدة من نوعها في الجزائر.

إيصال المعلومة بطريقة مختلفة وتكوين صحافيين شباب على الصحافة المكتوبة، في نفس الوقت كان هذا تجربة غنية ومبهجة، مصنوعة من نشوةً قوية بقدر ما صار تراجعنا المتزايد مؤلما.

رسائل الشكر والدعم التي وصلتنا في الأيام الأخيرة لتحية جريدتـ « نا » –والتي، حتى لو أنها ما عادت تلك التي أسسناها منذ تنحيتنا في 2016، ظلّت تملك حق التواجد- ذكّرتنا اليوم، وباسم كل من شاركونا يومياتنا، بأنه من مسؤوليتنا أخذُ الكلمة علانية وأمام الجميع.

أنّ الاستسلام أمام مجلس إدارة الوطن وأمام بعض عناصر الآلة الإدارية والأمنية لا يجب أن يمنعنا من كشف التهديدات التي تُثْقِلُ اليوم كاهل الصحافة والصحافيين الذين يريدون تأدية عملهم.

لأن غلق الوطن ويكاند اليوم يجب أن يُنذِرنا جميعا حول الحالة الحرجة لوسائل الإعلام في الجزائر. من هو المسؤول عن هذه الوضعية؟

السلطة هي أول من نفكر فيه، طبعا.

مجبورة على الانفتاح الديمقراطي في 1989-1990، لم تتوقف الرجعية السلطوية والأمنية للنظام عن مهاجمة كل فضاءات التعبير الحر. بالعنف، بالاعتداء والتحرّش الإداري والقضائي، بالرشوة، لقد خلق النظام زبائنه المافيويين والذين نرى اليوم أسوأ ممثليهم يسودون على قطاع الإعلام في الجزائر.

عمليات التقويض الممنهجة هذه شنّتها الشرطة السياسية، وزارة الاتصال وبتجنيد مدفعية كاملة قضائية ومالية استهدفت وسائل إعلام وصحافيين رفضوا ولازالوا يرفضون دخول « بيت الطاعة ».

بعض المسؤولين الإداريين والأمنيين وباسم دولة القانون التي لا يؤمنون بها أصلا، ضاعفوا العوائق والتهديدات والتحرشات ضد الصحافيين المحليين والأجانب الذين كانوا خارج منطق الريع للعصابة التي لا تزال قائمة وتعمل ضد مصالح الدولة الجزائرية.

منطق الأرض المحروقة هذا كرّس وسائل إعلام صعلوكة ومرتزقة تمارس الابتزاز كخط تحرير وحيد.

ومن سخرية القدر أن هؤلاء المرتزقة، مدعومين من طرف جلادي مختبرات بن عكنون، تجاوزوا حدّ الولاء لجهات أمنية معينة لينقلبوا ضد السلطة نفسها وينصّبوا أنفسهم كمافيا أ خطبوطية تهدّد النسيج المجتمعي في الجزائر، مؤلبةً الجزائريين ضد بعضهم البعض عبر خطاب كراهية تغذيه باللاتسامح والفتاوى المستوردة.

بلعبها بالنار وبتحطيمها لكل مبادرة صحافية مستقلة ومرتبطة بالصالح العام، تُعتبر السلطة المسؤول الأول عن الحالة الكارثية التي تعيشها الصحافة.

لكن التحليل سيكون ناقصا لو حمّلنا السلطة كل المسؤولية.

فعدم تجانس وتفكّك قاعات التحرير يبقى مرتبطاً أيضا بعوامل نسقية داخلية خاصة.

فمثلا، من الرائج سماعُ أن الشبان المتخرجون من الجامعات عاجزون عن الكتابة بالفرنسية أو العربية، أو عاجزين عن التكيف مع مكانتهم الاجتماعية، أن يكونوا وسط العالم والمؤسسة.
حسب خبرتنا في الوطن ويكاند وحتى اليوم، دائمًا ما التقينا شبابا بقدرات ممتازة وتكوين مناسب للحياة المهنية، واعون بحقوقهم وبراغماتيون بخصوص التزاماتهم.
لكن المهنة اليوم جدّ مضطربة وغير احترافية لدرجة أنها لا تستطيع تحفيز هؤلاء الشباب ولا الحفاظ عليهم بتقديم مرتب محترم وأماكن عمل لائقة أو معايير تسيير دولية.

بل أسوأ، فالمؤسسات الخاصة التي تملك وسائل الإعلام تعمل بنفس طريقة السلطة: عدم وضوح وسوء تسيير، الولاء، عدم كفاءة، هذه كلها تُعتبر أعمدةً للحُكم.

ربما علينا أن نُحلِّل وبحسٍ نقدي، وبعيدا عن الرواية الرسمية المثالية، تاريخ وظروف ولادة ما سُميّ لاحقا بـ « المغامرة الثقافية » في بداية سنوات التسعينات.

ولأجل هذا يجب طرح سؤال: لماذا لم يحترم « مؤسسو الصحافة » الأُطر القانونية لولادة الجرائد وتحويل الإعلام الحكومي إلى صحافة خاصة (مثلا، خلق جمعية صحافيين، فتح رأس المال، خلق نسخ عربية من الجرائد الفرنكوفونية لتفادي القطيعة بين النُخب إلخ.)؟

التساؤل أيضا يطالُ الأسباب التي دفعت بمسيّري وسائل الإعلام للتورّط في صراعات الأقطاب دون التحكّم في قواعد اللعبة التي تتجاوزهم، ليصيروا بهذا وسيلة في أيدي أجنحة النظام، سواء كان داخل السلطة السياسية أو المجال الاقتصادي.

بالإضافة إلى أنه، وبعد سياق العنف السياسي الذي شهدته حقبة التسعينات، فالكثير من الصحف ظلّت متأثرة لأكثر من عقدين من الزمن بالانغلاق الإديولوجي وإتباع خط تحرير تجاوزه الزمن.

هذا الإرث المسموم، بالإضافة لإضعاف أخلاقيات المهنة ووزنها داخل المؤسسة، سمح بالاستيلاء على بعض الصحف وسوق الإشهار من طرف الأوليغارشية الجديدة والتي تتكئ على أكثر رموز النظام فسادًا.

رغبة استحواذ القوى الاقتصادية على وسائل الإعلام لتوسيع نفوذها هي ظاهرة عالمية، طبعا. لكن في أماكن أخرى من هذا العالم، هنالك دائما قوى مضادة داخلية –جمعيات صحافيين، نقابات، مجالس أخلاقيات الصحافة- وقوى مضادة مشروعة تخفّف من تغوُّل هذه الجماعات. أما في الجزائر، فالانهيار التام لهذه القوى المضادة، وتحالف الأوليغارشية مع أصحاب القرار، غالبا ما دفع بالصحافيين والصحف لمواجهة عُنف المال.

في الأخير، وبالإضافة للريع الرمزي الذي يراكمه مالكو الصحف بصفتهم « معارضين »، خاصة في بلاطوهات الصحافة الأجنبية، أو كـ « مرشدين للفضيلة والوطنية »، يأتي الريع المالي، والذي صار خلال العقدين الأخيرين الرهان الأساسي لهذه الطبقة في الوقت الذي يعيش فيه الصحافيون الحاجة وفي ظروف مالية سيئة.

هذا الريع-الطابو يتم التنصّل منه تماما كلما طُرِحت مسألة الظروف الاجتماعية والمهنية للصحافيين أو مسألة أخرى لا تقل أهمية وهي قدرة الصحف ذاتها على الاستمرار ماليا.

هذا الجيل، ورغم كل الاستحقاق الذي ناله في نهاية سنوات الثمانينات، إلا أنه تعصّب للبقاء في الطريقة القديمة لتسيير قاعات التحرير لدرجة تفويته على الصحافة الجزائرية الوثبات التي مسّت الإعلام في العالم بأسره، وعلى سبيل المثال لا الحصر نذكر المنعرج الرقمي في بداية سنوات 2000، ومُجمل المنعرجات اللاحقة سواء كانت تقنية أم في مجال التسيير والتي كان من الممكن أن تمنح للجزائريين ما يستحقونه فعلا: وسائل إعلام تنتمي لحداثة القرن 21، وموجّهة بشكل كامل للصالح العام، والتي تنتج أخبارا وأفكارا بدل أن تخضع لبلاغات البروباغندا الرسمية التي تصلها بالفاكس.

في هذه اللحظة الثورية، من المُقلق أن نجد بأن أغلبية وسائل الإعلام ومالكيها هنا، ودون الحديث عن عجزهم عن مراجعة أنفسهم، لا زالوا يُراوحون مكانهم في نفس الأنماط : الريع والسلطوية والكراهية.

لقد صار أكثر من عاجل وضروري اليوم أن يتنصّل مجال الإعلام بشكل راديكالي من الرجعية التي تُلغّمه ويتحرّر من القيود الثقيلة التي تعرقله، وخاصة المال والإخضاع، كي يستطيع اللحاق والانضمام للوثبة التاريخية التي فجّرها حراك 22 فيفري.

الوطن ويكاند كان المبادرة التي حاولت إعادة تأسيس التواصل مع صحافة مترفعة عن الإديولوجيات القاتلة لسنوات التسعينات وذلك بحشد الكفاءات سواء في الصحافة أو في قطاعات ثقافية وإبداعية أخرى دون أي حكم مسبق لا على لغة العمل ولا على الانتماءات السياسية والاجتماعية للفاعلين في المجتمع، وهذا كان من الممكن فعله… ولازال.
الوطن ويكاند كان تلك النافذة التي جعلتنا نرى اليوم أنه من الممكن فتح نوافذ أخرى مواكبةً لكفاحات زملائنا الشجاعة، في القطاع العام والخاص، بأبهظ الأثمان، ضد الرقابة والإبتزاز.

الرهان اليوم حيوي من أجل الديمقراطية… ومن أجل الجزائر !

عدلان مدي وميلاني متاريس
مؤسسا ورئيسا تحرير ملحق الوطن ويكاند السابقين (2009 – 2016)