لم سيحط وادي السيليكون رحاله في عاصمة الجزائر؟

مساهمة لـ: عبد الله مالك

إن الغاية الأساسية من الاستثمار في رؤوس أموال الشركات الناشئة تكمن في تغذية التكنولوجيات النامية لقارة إفريقيا. فبينما ظل النظام الاقتصادي لوادي سافانا بكينيا موضعا للنقاش على مدى العقود الماضية، ارتفعت الفرص التطويرية للبنى التحتية في المناطق الإفريقية، والشمالية منها على وجه الخصوص، بشكل مهيب وأصبحت هذه المناطق تشكل خيارا مرشحا بقوة وقطبا جاذبا لاستثمارات رواد وادي السليكون.

ولنفصح أكثر، فقد شرع رجال الأعمال في الولايات المتحدة الأمريكية والأفارقة المهاجرون بالفعل في الرجوع لمواطنهم على أمل إيجاد فرص مثمرة ليطلقوا العنان لمشاريعهم وشركاتهم الخاصة .

ولأن الإبداع ما هو إلا مواكبة متطلبات الواقع وتكييفها مع تطورات النظام الاقتصادي للخروج بحلول مميزة، فإننا نجد الشركات في كافة أنحاء القارة الإفريقية يطورون تكنولوجيات حديثة أو ينقلون تجارب تكنولوجيات موجودة مسبقا في بلدان أخرى إلى بلدانهم بمرونة فائقة.

وعاصمة الجزائر بدورها، لم تفوت قيادة هذه الحركة، بجمعها لعدة مستثمرين ورواد التكنولوجيا من وادي السيليكون في القمة العالمية القادمة حول التكنولوجيا والاستثمارات في المدن الذكية في 26 27 28 جوان 2018 والتي تمثل بالنسبة للبعض فرصة لتغذية فضولهم وتنمية شغفهم التقني في حين تفتح للآخرين بابا لمد جسور الشراكة بين وادي السليكون والجزائر .

تزايد الاستثمارات في الشركات الناشئة والفرص التكنولوجية:

أشارت إحصائيات معدة من طرف Crunchbase and TNA Analysis إلى وجود أكثر من $400 مليون من رؤوس الأمول خصصت للشركات الناشئة الإفريقية سنة 2014. مع تسليط الضوء على تخصيص ما لا يقل عن مليار دولار للاستثمارات في رؤوس أموال الشركات الناشئة في الفترة الممتدة مابين 2012-2018. كل هذه الأرقام توحي بتطور مرجو قابل للتنبؤ في المستقبل القريب، ولعل هجرة المقاولين ورجال الأعمال من وادي السليكون لعاصمة الجزائر خير دليل على ذلك.

وقد صرح مهدي سيف، مهندس في وادي السليكون، بقوله:  » في هذا العصر الرقمي، أصبحنا نحظى أكثر من ذي قبل بفرص التطوير والتحويل وهذا ما يسر لنا مواجهة مختلف التحديات في العوالم التقنية الثلاثة: تكنولوجيات الاتصالات « CT » ، تكنولوجيات المعلومات « IT » وتكنولوجيات التشغيل  » OT » وتمسح هذه العوالم مجالات إدارية متباينة ومنظمات وسلاسل توريد منفصلة. »

تكييف نماذج الإبتكار

ومع ذلك، لا يخفى علينا كون النظام الاقتصادي وعالم ريادة الأعمال في الدول الأفريقية يختلف عن النظام القائم في الولايات المتحدة الأمريكية ووادي السليكون على وجه الخصوص. لذا فإنه من الضروري مراعاة هذا الاختلاف والسعي لتكييف الأنظمة الاقتصادية الجديدة ضمن السياق الذي تستلزمه دول إفريقيا

كما صرح كيران لمبودي، مهندس في وادي السليكون، بقوله :  » من المهم أن تستثمر الصفقات التجارية في الأنظمة الاقتصادية المحلية، وتسمح بنقل المعارف والتكنولوجيات وتحسن من المهارات وتخلق مناصب عمل كي تلعب بالفعل دورا في الاستثمار وتخرج بثمار فعلية منه. « 

الاستفادة من المهاجرين الأفارقة الشتات وأصحاب المواهب

في حين تمثل شبكات المستثمرين مكونا أساسيا في سوق الاستثمار بإفريقيا، فإن دراسة أعدها Pew Research بينت أن عدد المهاجرين الأفارقة للولايات المتحدة الأمريكية في ازدياد مستمر، وبذلك فإن عاداتهم الاستهلاكية قد تشكل فرصة مميزة للمستثمرين الأمريكيين. ومما لا شك فيه، فإن هؤلاء المهاجرين لا يستطيعون البقاء في معزل عن أسرهم وذويهم في إفريقيا، لذا فهم يستعملون مختلف تطبيقات الهواتف للبقاء على تواصل معهم، كما يرسلون أرباحهم وما يكسبونه من قوت لمنازلهم عبر خدمات تحويل للأموال، وهذا يمثل فرصة معتبرة للاستثمار.

كما صرحت السيدة فتيحة سليماني، مؤسسة « الجزائر مدينة ذكية بأنه بغية جذب أكبر عدد ممكن من الشتات الإفريقي علينا الاعتماد على صناع القرارات السياسية، لأن لهم دورا رئيسيا في تحديد هؤلاء المهاجرين الأكفاء الموهوبين والفاعلين في تحديد المشاريع الأمثل التي تتيح لهم التطوير والريادة. وسترحب بهم بلدانهم وتفتح لهم أبوابها ليساهموا في تطويرها والارتقاء بها.

الدور الأساسي لمركز تكنولوجي

تتمتع المراكز التكنولوجية الإفريقية بتنوع خصائصها وتتطور يوما بعد يوم لتأخذ منحى ربحيا خاصا. وهي بذلك تصبح أكثر فأكثر نقاط اتصال مركزية للأفكار ورجال الأعمال والاستثمارات والابتكارات عبر القارة.

وقد أشارت أبحاث أعدها VC4Africa إلى أن المؤسسات التي تشارك في فعاليات أو تنضم لمن يحتضنها ويسرع من وتيرة نشاطاتها تبدي كفاءة أكبر بضعفين في الحصول على رؤوس أموال لها.

« وعليه، فإن سر النجاح يكمن في القدرة على استغلال التكنولوجيات المحلية وتطوير الاستراتيجيات المثلى لتمويل النمو والتطور » أوضح الدكتور رياض حرتاني، الخبير التكنولوجي لمشروع الجزائر المدينة الذكية وقاطن سابق بوادي السيليكون،  » كما هو ضروري تشكيل فريق كفؤ قادر على النزول للميدان للتنفيذ ومراقبة واستشراف الانقطاعات »

أهمية إشراك كل الأطراف المعنيين

ولأنه من الضروري إدماج وإشراك كل الأطراف المعنيين بمشروع الجزائر المدينة الذكية، سيتخلل القمة العالمية مسابقتان: الأولى تعنى بالشركات الناشئة لإضفاء روح المقاولاتية لهذا المشروع وتشجيعها والمحافظة عليها من خلال خلق نظام اقتصادي دائم لهذه الشركات. ومن عالم ريادة الأعمال لعالم الأفكار والبرمجة ستنقلنا المسابقة الثانية  » الهاكاتون » فيها ستطرح حلول لمشاكل المدينة الذكية باستخدام التكنولوجيات الحديثة، ومن هنا استمدت هذه المسابقة تسميتها leapforg hack . وخلالها ستعمل الفرق على طرح أفكار لمشاريع ومنتجات هي البذرة الأولى لشركات ناشئة مستقبلا. وهذا ما يصب في هدفنا الرئيسي ألا وهو خلق نظام اقتصادي قائم على المشاركة والإبداع والابتكار. وستدوم هذه المسابقة المنظمة من طرف ولاية الجزائر والنادي العلمي للمدرسة الوطنية العليا للإعلام الآلي CSE لمدة ثلاثة أيام 26 27 و 28 جوان 2018 في « Dounia parc » . وستدور في فلك مجالات ثلاثة : أولا إنترنت الأشياء « Internet of things » ثانيا الذكاء الاصطناعي وعلم البيانات  » AI and Data science » ثالثا تكنولوجيا الاقتصاد والتحويل الالكتروني  » Fintech / Blockchain »

كل مشاريع المشاركين ستؤطر من طرف أكثر من أربعين مختصا ومدربا كفؤا سيحضرون من كل بقاع العالم كالولايات المتحدة الأمريكية (وادي السيليكون)، كندا، اليابان… وستعرض في النهاية على لجنة تحكيم مختصة لتقييمها، وإعلان الفائزين.

وتسعى الجهة المنظمة لأن تكون هذه المسابقة أكبر حدث تكنولوجي تشهده قارة إفريقيا من ناحية عدد المشاركين وجودة المشاريع ومواكبتها لمتطلبات الواقع الجزائري وطرح حلول فعالة للمشاكل التي تنغص حياة المواطنين. زكذلك من ناحية الجوائز التي تنتظر الفائزين من مبالغ مالية تفوق 5 ملايين دينار جزائري وتكوينات مجانية وتربصات خارج بلاد الجزائر.

وفي نفس إطار مسابقة الهاكاتون تأتي مسابقة الشركات الناشئة يوم 28 جوان 2018 والتي ينظمها النادي العلمي للمدرسة الوطنية العليا للإعلام الآلي بالعاصمة CSE مع ولاية الجزائر. والتي تهدف لتعزيز قدرة الشركات الناشئة على تحليل المشاكل وطرح مقاربات إبداعية لحلها أمام لجنة تحكيم موجهة من مستثمرين وخبراء من وادي السيليكون « silicon valley » بالإضافة إلى مستثمرين من شركات جزائرية رائدة، ذوي خبرة عالية بسيرورة الشركات الناشئة في مناطق شتى من العالم وعلى اطلاع واسع على استراتيجيات نجاحها. وتجدر بنا الإشارة إلى كون الشركة الفائزة في هذه المسابقة ستتلقى جائزة مالية بحجم ستشهده الجزائر لأول مرة يفوق 15 مليون دينار جزائري لتمكينها من الاستثمار المباشر في السوق الجزائرية.

وختاما، فإن هذه الأنشطة والتظاهرات القيمة تحمل وزنا مضافا معتبرا للواقع الحضاري الذي تشهده الجزائر كما أنها تثمن دور الشباب و تعطي ثقة أكبر لطلاب المدراس و الجامعات للخوض في المبادرات البناءة و الدخول في معترك العالم المحترف ليكون فكرهم محركا يدفع ببرنامج الجزائر مدينة ذكية للمضي قدما، ونأمل أن تساهم عاجلا أم آجلا في دفع عجلة الحضارة إلى الأمام فرحلة الألف ميل تبدأ بخطوة.

الملحق:

 » إفريقيا بإمكانها مواكبة استراتيجية التعلم السريع المعتمدة من طرف وادي السليكون من خلال العمل على مستوى الشركات الناشئة لتسريع الابتكار وتطوير البنى التحتية »
– بادي رامانثان، مدير التسيير في مركز Ivalley للابتكار

 » تظهر لنا عاصمة الجزائر كسوق حيوي يعيد كتابة قواعد ريادة الأعمال. فهي تمكن بذلك جيلا جديدا من المستثمرين لخلق نظام اقتصادي فريد من نوعه. «