لماذا لم تُغنِِ أم كلثوم فى الجزائر؟

لماذا لم تغنِ أم كلثوم فى الجزائر ولا مرّة؟ ظهر هذا السؤال بعدما بدأت أهتم بصوت أم كلثوم، وصار رُكنا مهماً فى خريطتي السماعية، وليس فقط صدى يتردد بين قنوات تليفزيون والفيديوهات والصور والأساطير الصغيرة التى يتداولها أصدقائي المصريون والعرب على فيسبوك.
قبل هذا، كُنت قد بدأت أكتشف صوت هذه المرأة، ولأن المشاهير والأصوات « الكبيرة » غالباً ما تأتى مُحاطة بالأساطير والحكايات والأضواء، وتُعزّز فينا ذلك الشعور أننا جئنا متأخرين أكثر مما يجب إلى هذا العالم، بالتالي نجد أنفسنا أمام خيارين: نفقد الاهتمام تماماً بالصوت وصاحبه، أما الخيار الثانى فهو رفض الوسائط التى جاءت بهذا الصوت ونبحث عن أخرى جديدة.
أظن أن موقع ساوندكلاود صالَحَ العديد من أبناء جيلي، المولودين فى بداية تسعينيات القرن الماضي، مع أصوات الطرب العربي، وأم كلثوم بالخصوص. لا حركة ولا فيديو، فقط الصوت – تماماً مثل المستمعين الأقل حظاً، أيام حفلاتها، والذين كانوا يجلسون أمام الراديو- الذى يصلك وأنت تُراقب تموّج الأصوات، ذلك الخط البرتقالى الذى يصعد وينزل.
تركت بسرعة عادة الاستماع لـ « أنت عمري » و »ألف ليلة وليلة »، غير مُدركٍ فعلاً أنّ السمّيعة « الثقال » لا يحبون هاتين الأغنيتين، وعبرت نحو « غلبت أصالح » وأشياء أقدم قليلاً مثل « يا فايتني »، لأصل بعدها إلى « بعيد عنك »… وهنا حصلت الصدمة !

سنة 1969، الجزائر تُحضّرُ للمهرجان الثقافى الإفريقى الذى يسمّيه النّاس اختصاراً: الباناف، كل الأمم الإفريقية كانت مدعوة، وحتى الدول »الصديقة » من خارج إفريقيا: الاتحاد السوفيتى، فيتنام، كوبا.. حفلة كبيرة لدول عدم الانحياز والأنظمة المناهضة للاستعمار. مصر كانت حاضرة، يوسف شاهين كان مدعواً كمراقب وضيف شرف فى المهرجان وعدّة أسماء من الصحافة والأدب والسينما، نقرأ فى دليل المهرجان كلمة لعبد العزيز الأهواني، مُدير معهد الفنون الدرامية والموسيقية بالقاهرة وقتها كما هو مكتوب، يحكى فيها عن الموسيقى الإفريقية فى مصر، عن النيل والفلاح المصري… الآلات الموسيقية عند الفراعنة.. ثم يذكر مؤتمر الموسيقى العربية الأول بالقاهرة سنة 1932، وعن خيبة أمل المستشرقين الذين حضروا ورأوا تطوّر الموسيقى العربية؛ ولا كلمة عن أم كلثوم أو سيد درويش.. لا شيء.
دام المهرجان شهراً كاملاً، وغنّت ميريام ماكيبا الجنوب إفريقية « أنا حرّة فى الجزائر » ومُنحت الجنسية الجزائرية، وتعزّزت صورة « الجزائر: مكّة الثوار »، ثم عاد الجميع إلى بلدانهم. الخلاصة: أم كلثوم، لم تكُن فى مزاج من كانوا فى السلطة وقتها، لم تكُن ربما ثورية كفاية، فى نظر بومدين، هى الآتية بفرقة موسيقية كاملة ووقفة على المسرح تدوم منذ عهد الملوك، هى الشاهدة على نهاية الملوك والعابرة بصوتها عقوداً من الشعراء والملحنين، ربما كانت تبدو ملكية للثوار فى الجزائر، من جهة أخرى، وعند فنانى موسيقى الشعبي هنا مثلاً، لم تكُن أم كلثوم اسماً كبيراً، فريد الأطرش كان كذلك، وهنالك أكثر من شهادة لعازفى العود ومغنيي الشعبي فى الجزائر عن لقاءاتهم به فى كباريهات باريس خلال الأربعينيات والخمسينيات وتأثرهم بعزفه، وحتى فى وهران كان مؤسس موسيقى العصري الوهراني أحمد وهبي متأثراً جداً بمحمد عبد الوهاب؛ أمام هذه الخيوط التى حاولت تجميعها، تساءلت أكثر من مرّة: هل لأنّها كانت امرأة؟

حفلة بعلبك / سنة 1968

تعوّدتُ مع الوقت والسماع على تصنيف الأغاني، لا حسب الشعراء والملحنين فقط، بل حسب الحفلات، سواء داخل مسارح القاهرة أم فى الخارج. كانت نسخة « بعيد عنك » فى تونس (1968) هى الأروع، لكنى اكتشفت لاحقاً، وعبر ساوندكلاود، نُسخة بعلبك، والتى كانت فى نفس السنة: 1968 ! لا تستطيع منع نفسك، وأنت تستمع إلى صوتها، من تخيّل ما الذى كان يحدث فى ذلك المسرح، ثم تتساءل: هل كان المسرح مفتوحاً؟ هل يمكن أن يكون غير ذلك، هل يوجد سقف يحتمل طبقات صوتها العالية؟ الجمهور هائج، لا أتصوّره يجلس فى مكانه، كهرباء فى الجو، كأنّ صوتها تأثر بالهواء، هنالك مقاطع تشعر فيها بأنها خرجت من الأغنية وارتجلت موّالاً، ثم تعود، صارمةً، منضبطة، تتركُ نفسها قليلاً ثم تتنهّد… فيهيج الجمهور.
كنت أسمع « بعيد عنك » لأشهر كاملة تلَت قصةً قتلتها المسافة، وبرغم أن العنوان يركبُ على ما جرى تماماً، فإن صوت أم كلثوم كان هو « الحُب » وليس شيئاً آخر، هو القوسطو كما نسمّيه هنا –ويسميه المصريون السلطنة. كل تلك التكرارات فى مساحة واحدة، مثل مُحرك ساعة سويسري، بالجمال نفسه، بالدقة نفسها، حتى وهى لا تقول شيئا، بعد تجارب كهذه لن تنظر إلى الكلمات واللغة بنفس الطريقة.
الأغنية ليست نشرة أخبار، ليس عليها أن تكون سريعة وتُخبرك بأشياء، ويجب ألا تكون قديمة، من قرون بعيدة، حتى تكون طويلة وتأخذ وقتاً؛ كل تلك المساحة التى فى صوتها، كُنت أقطعها ماشياً وطائراً وأقيس بها كل المسافات؛ كل تلك التكرارات كانت مُحاولة لتثبيت الوقت أم لمحوه؟ كان صوتها يقوم بالأمرين فى تلك الحفلة، كان جمهور بعلبك يتخدّر بصوتها وبصنعة الموسيقيين خلفها، تنوّمهم، يلعبُ القانون من خلفها وتجعل هى الوقت يقف ويتجمّد على حرفٍ واحد، النون ! ثم تعود لتُطلقه دفعة واحدة فى وجوههم، كل الوقت الذى مضى، كل ما فات، كل ما علينا تداركه… يهجم مثل سيل يغمر كل شىء.

يُنشر المقال بالشراكة مع مجلة « الأهرام العربي ».