لماذا كره المصريون مظاهرات 2011، وماذا يجب على الجزائريين والسودانيين معرفته لتفادي ذلك

(نُشِر هذا المقال في جريدة واشنطن بوست منذ أيام، وترجمه إلى العربية ياسين طلحة تيتبرت)

دراسة جديدة تقول أنّ المظاهرات أضعفت الدعم الشعبي للديمقراطية خلال الربيع العربي

بعد ثمانية أشهر من المظاهرات، ستحقق عملية الانتقال الجارية نحو حكم ديمقراطي في السودان إنجازًا هامًا هذا الأسبوع حين سيُعلن عن حكومة انتقالية. بالتزامن مع هذا، وبعد خمسة أشهر من تنحية الرئيس، مازال المتظاهرون في الجزائر يخرجون إلى الشوارع كل أسبوع من أجل المطالبة بتغييرات جذرية في النظام السياسي.
في مواجهة أجهزة أمنية لا ترحم، كيف يمكن للمتظاهرين في السودان والجزائر تفادي السيناريو المصري، أين استطاع النظام القديم هندسة عودته بعد سنتين فقط من إسقاط دكتاتور مصر السابق، حسني مبارك.

ما الذي يجعل الثورة ثورةً ناجحة؟

من التدخلات خارجية إلى ظروف البلد الاقتصادية، تحدد عديد من العوامل ما إن كانت الثورة ناجحة في تثبيت نظام ديمقراطي مستقر، الإستراتيجيات التي يعتمدها المتظاهرون لها أهمية أيضا، فمنذ السبعينات، كان المتظاهرون يبقون في الشارع بعد إسقاط الدكتاتور في بلدان مثل البرتغال وجنوب إفريقيا، مما ساعد في تثبيت نظام ديمقراطي جديد عن طريق إبقاء الضغط على النخب حتى لا تتراجع عن وعودها. وبناءً على هذا، يَنصح بعض المراقبين بأن تقوم المعارضة في السودان بنفس الأمر.
لكن هل حقًا المظاهرات هي الحل دائمًا؟ أثار البعض في المنطقة بعض الشكوك حول هذا التصور القديم. في وقت سابق هذه السنة، كتب علاء عبد الفتاح، أحد نشطاء مصر البارزين، مقالاً حول الدروس التي تعلمها من ثورة 2011. وفيه سخر من النصيحة التي أعطيت للمتظاهرين بالبقاء في الشارع بعد إسقاط الدكتاتور. يقول بدلًا من ذلك أن التجربة المصرية تقترح أنه يجب على قوى المعارضة فهم أبعاد السياسة الوطنية جيدًا قبل تقرير متى وكيف يجب التظاهر.

مخاطر المظاهرات

التظاهر سلاح قويٌ جدًا، لكنّه بالمقابل سلاح ذو حدّين، البقاء في الشارع قد يساهم في المحافظة على الضغط المفروض على النخب المترددة في عملية إرساء الديمقراطية بعد إسقاط الدكتاتور، لكن البحث الذي قمنا به حول مصر في فترة الربيع العربي يقترح أن المظاهرات يمكنها أيضًا تحييد المواطنين وخفض مستوى الدعم العام للديمقراطية.

بعد تنحّي مبارك من الرئاسة في فيفري 2011 انتشرت موجة غير مسبوقة من المظاهرات في مصر. عمّال، نشطاء، وسكّان برمجوا حوالي خمسة آلاف مظاهرة خلال السنة الأولى لوحدها. أمرٌ لم يلقى ترحيبًا من الجميع، بعد فترة وجيزة من تنحية مبارك نقلت وسائل الإعلام أخبارًا عن مظاهرات رافضة للمظاهرات أقامها بائعو المحلات وسكان محليون يشتكون من إضرار المظاهرات بتجارتهم وتقويضها للحياة اليومية. استمرّت هذه الاحتجاجات الرافضة للمظاهرات خلال سنة 2011 والسنة التي تلتها. خلصت الاستقصاءات التي قام بها مركز غالوب سنة 2011 إلى أن الغالبية العظمى من المصريين آمنوا بأن المظاهرات الجارية تؤثر بشكل سلبي على البلد.

الخيبة من الديمقراطية

باستعمال تقارير الجرائد المحلية من أجل تحديد أماكن المظاهرات، وربطها مع بيانات من استطلاعات قام بها مركز البارومتر العربي، قمنا بدراسة حول تأثير المظاهرات في مصر على المواقف السياسية بعد سقوط مبارك. تقترح النتائج التي خلصنا إليها أن المصريين الذين كانوا يعيشون في أماكن شهدت عددًا كبيرًا من المظاهرات، أنهم وفي غضون خمس أشهر من سقوط مبارك كانوا الأكثر ميلًا إلى ربط الديمقراطية بتهديدات اجتماعية واقتصادية، بقيادة مترددة وبعدم الاستقرار.

أمر غير مفاجئ ربما بالنسبة للمعتادين على الصحافة المصرية، فخلال تلك الفترة شيطن الإعلام المصري المحافظ المتظاهرين، وقام بتصوير المظاهرات الجارية على أنها مصدر للفوضى وعدم الاستقرار.

لكن ورغم هذا، أظهرت بياناتنا أن المظاهرات المحلية أثرّت في مواقف الناس حول الديمقراطية بغض النظر عن متابعتهم لهذا النوع من الإعلام. فعلى ما يبدو، تجربة الناس الشخصية هي أهم مؤثر في تحديد آرائهم. ففي مصر، أثّرت المظاهرات المستمرة على حياة الناس ـــ إذ تم إغلاق المدارس والمستشفيات والمحلات، كما عُرقلت حركة المرور. تُظهر نتائج بحثنا أن الشكوك حول الديمقراطية جليّة أكثر عند المصريين الذين كانوا يعيشون في أماكن استمرت وعرقلت المظاهرات فيها النظام العام لمدة أطول.

علِمنا من خلال بحوث أخرى أن الناس يراقبون التطورات السياسية والاقتصادية المرافقة للفترات الانتقالية نحو الديمقراطية، وهذا ما يبني آراءهم حول صلاحية الديمقراطية في بلدانهم. البحث الذي قمنا به حول مصر يشير إلى أن الناس الذين عايشوا مظاهرات معيقة للحياة العامة تأثرت آراءهم حول أداء الديمقراطية في بلدهم بسبب هذه التجارب.

دروس قد تخبئها مصر لدول المنطقة الأخرى

لماذا تُعتبر هذه المعارف مهمة؟ كما رأينا في مصر، يمكن استغلال خيبة الناس من الديمقراطية من أجل التراجع عن المكاسب المحققة، أو ربما حتى من أجل العودة إلى الحكم الاستبدادي. انتشار فكرة عدم جدوى الديمقراطية يسهل على أصحاب الثورة المضادة إحياء الحنين إلى استقرار ورفاهية النظام الدكتاتوري القديم. (سواء كان حقيقيا أو مُتخيلا). اتّفق قادة المظاهرات مع الجيش على فترة انتقالية تدوم لثلاث سنوات في السودان، مدة كافية للنظام السابق من أجل تقويض الديمقراطية الجديدة وتشويه مصداقية قوى المعارضة. مستقبلًا، يمكن للسودانيين الاستفادة من المعارف حول آراء الناس عن المظاهرات، وأن يكونوا متفاعلين مع مخاوفهم من الاضطرابات التي تسببها.

مجموعة التحديات التي تواجهها ثورة الجزائر مختلفة، فرغم أن الجزائريين نجحوا في اسقاط رئيس البلد عبد العزيز بوتفليقة، يبقى الجيش متحكمًا في زمام الأمور. ورغم أننا في مرحلة متقدمة، أظهر استبيان على الانترنت قام به مجمع بروكينجز أن أقلية معتبرة من الجزائريين ربما بدأت تذيق ذرعًا من المظاهرات. الاستبيان يلمّح إلى أن حوالي 40 بالمئة من غير المتظاهرين يؤمنون أنه على النشطاء إيقاف التظاهر والبدء بالتحضير للانتخابات. يشاركهم الشعور فقط 18 بالمئة من المتظاهرين.
يختلف هذان البلدان ومصر 2011 في كثير من الأمور، لكنهما يشتركان معه في نقطة قد تكون نذير شؤم لهما، ففي الحالات الثلاث (خاصة الجزائر)، لا يوجد معارضة قوية قادرة على الحرص على إستراتيجية تحركات المتظاهرين. كما تظهر التجربة المصرية، استمرار المظاهرات بطريقة غير منظمة قد يعيق الحياة دون حاجة إلى ذلك ـــ مما قد يخاطر بإضعاف دعم الناس للديمقراطية.

ثريا الرايس طالبة دكتوراه في العلوم السياسية في مدرسة لندن للعلوم الاقتصادية والسياسية.
نيل كاتشلي أستاذ علوم سياسية مساعد في جامعة أوسلو.