في الجزائر: إصلاح المنظومة التربوية والصحية بالعصا

رغم إعلان الكنابست (المجلس الوطني المستقل لمستخدمي التدريس) إنهاء الإضراب صبيحة أمس الأربعاء، مع بداية مزاولة العمل اليوم الخميس، الأمر الذي تزامن مع تنظيم الأطباء المقيمين لمسيرة بمدينة قسنطينة تُعد الأكبر لهم منذ بداية الإحتجاجات، إلا أن ذلك لم يثني من عزيمة الأطباء وإصرارهم على تحقيق مطالبهم من قبل وزارتهم الوصية. فرغم عدم وجود تنسيق بين الطرفين أو مطالب مشتركة لهم إلا أن سياق الإحتجاج و الهدف واحد: النهوض بقطاعي التربية و الصحة.

إن الوضع الذي يتخبط فيه قطاعي التربية والصحة منذ أسابيع وأشهر يفرض النظر بجدية وتشخيص للواقع الذي يريد الكثير تمويهه، فالإضراب والاحتجاج حق يكفله الدستور، كما أن مطالب المستخدمين والمهنيين في أي مجال عين الصواب ما دامت في مصلحة تطوير القطاع وتحسين الخدمة العامة.

إلا أن الطريقة الإندفاعية في تعامل السلطات والوزارات الوصية مع الأساتذة والأطباء بتفضيل مواجهة الأستاذ والطبيب و الطالب بالعصا و الهراوة عوض الحوار وتغليب الصالح العام، لا يترك مجالا للحديث عن حراك سياسي وخلق فرص للشباب في مجال الريادة، الحريات، القيادة، الإبداع و التجديد. فمشاهدة الثوب الأبيض الموسوم ببقع الدم أو الأستاذ والطالب الملقى على الأرض جراء جروح أو إغماء زد على ذلك الإعتقالات العشوائية، يوحي بفهم حقيقة الورم و تشخيصه.

العلة الحقيقية أن الجميع، مواطنا ومسؤولا، يبحث عن ترتيب المنتخب الوطني في تصنيف الفيفا ولا يكلف نفسه عناء الإطلاع على ترتيب المدرسة الجزائرية أو مستوى الخدمة الصحية. فالجزائر تحتل المرتبة 119 عالميا من حيث جودة التعليم بين 140 دولة حسب تقرير لليونيسكو للسنة الدراسية 2016/20017. كما تحتل أيضا المرتبة 110 من حيث توزيع مستوى الخدمات الصحية و المرتبة 91 من حيث تلبية حاجات السكان الصحية بين 190 دولة حسب تقرير منظمة الصحة العالمية لسنة 2016.

فلماذا يهتم السياسي مسؤولا كان أو برلمانيا، الذي همه الوحيد الكرسي وبعده الموت، أن يهتم بالتربية والصحة ما دام أبناءه يدرسون في المدارس الأجنبية بالجزائر أو الخارج أين يعالج و أفراد عائلته.  ليصبح دوره إقناع من أفنى شبابه في الدراسة أن البلد بخير ويذكر الجميع بالأسطوانة المشروخة عن العشرية السوداء وتبعات الثورات العربية. فمنذ بداية الحراك الإجتماعي الذي تم التنبأ به مسبقا مطلع السنة والبلاطوهات التليفزيونية تستضيف وتعج بضيوف همهم الغناء خارج السرب، الموضوع في سياق الأزمة وهم يرقصون على وتر « وين كنا و وين رانا » و « tout va bien ». كما لا يسمع صوت حكيم لمترئسين القطاعين، سوى التهديد والوعيد بين أحكام صادرة عن المحكمة الإدارية بعدم مشروعية الإضرابات والفصل النهائي من الخدمة.

« العصا » و »القزول » لم ولن يصلحا شيئا، كما أن التعامل مع الطبقة المثقفة بهذه الطريقة سيزيد من صورة الجزائر السوداوية في التقارير الدولية لحقوق الإنسان، كما سيجعل الإحتقان يبلغ أوجه بين أطراف ومكونات المجتمع. المخجل في الأمر أنه حتى التلاميذ أضربوا فوق إضراب أساتذتهم الذي يعد سابقة في تكوين مضرب متمرس و متمرن منذ الصغر بطريقة أسهل و تكلفة أرخص، بيد أن المريض المسكين لم يجد كيف يضرب هو أيضا فوق إضراب الطبيب.

في البلدان المتحضرة رفع الشارات أو الوسوم مع مزاولة العمل في بعض الحالات طريقة للإحتجاج والإضراب، وهذا ما يعده المسؤول إهانة له، ما يسبب إحراجا له يستدعي أحيانا إستقالته أو حل مشاكل القطاع بشتى الطرق، فيما يبقى وصمة عار يتحملها طيلة بقاءه في منصبه أو بعد مغادرته تتمثل في عجزه وسوء تسييره للمصلحة العامة.

إن المنظومة التربوية الفاشلة و نظام الخدمة الصحية المتدني في ظل، غياب حوار شامل وإصلاحات جدية وإرادة سياسية قوية في تطوير قطاعي التربية والصحة من طرف الجميع يشارك فيها المواطن أيضا كفاعل رئيسي، لن يخرجنا حتما من دوامة « سياسة الترقيع وكل شيء على ما يرام ».