سينما – « شذرات أحلام »: التراكم الذي صنع 22 فيفري

شاهدتُ مؤخرا الفيلم الوثائقي »شذرات أحلام » (Fragments de réves) للمخرجة بهية بن شيخ الفقون، الفيلم أنتِجَ سنة 2017، ولكنه صُوِّرَ بين 2012 و 2013 في عدة مناطق بالجزائر.

أول مرة سمعت فيها عن هذا الفيلم، كانت في 2018 لما منظمّي « اللقاءات السينمائية ببجاية » ما قدروش يعرضوا الفيلم هذا، لأنّهم لم يتحصلوا على الموافقة من وزارة الثقافة. يعني حاجة تُشبه الرقابة ولكنها ليست رقابة، مثل كل شيء في الجزائر، القرار ليس واضح وليس قانوني مئة بالمئة ولكنه يمنع.

لكن مع انطلاق ثورة 22 فيفري، سمعت أنه المخرجة تُحاول تنظيم عروض لفيلمها، بل وتُصر أنه يفوت في أكثر من مكان. وبَدَأت ببجاية، حيث قرّرت جمعية بروجيكتور Projec’heurts في تلك المدينة أنها تعرض الفيلم، والعرض الثاني كان في العاصمة بمقر إذاعة راديو M.

الفيلم فيه 75 دقيقة، نسافر فيها مع بهية من العاصمة للشرق الجزائري ثم الجنوب، مرورًا بأكثر من شخص وأكثر من حكاية. تقول بهية أنها خلال الربيع العربي في 2011 كانت -مثل العديد من الجزائريين- تقضي يومها بين القنوات على التلفاز والجرائد والأنترنت، تشوف وتقرا وتسمع وتحاول تفهم ما يحصل.

في نفس الوقت كانت تطرح سؤال: والجزائر؟ طبعا كانت فيه مظاهرات واحتجاجات « السكر والزيت » (كما سمّاها الإعلام لتصغيرها) لكن أيضًا كانت هنالك قصة بلاد كاملة، اسمها الجزائر، وكانت قصة البلاد هذي تمتد من سنين طويلة وتأثر على الحاضر وعلى الجزائريين.

انطلاقا من هذا حملت بهية كاميرتها وذهبت لرؤية الناس الذين قرأت عنهم في الصحف، أو شاهدت فيديوهاتهم على أنترنت. الشاب طارق معمري الذي حرق بطاقة انتخابه وسار في مظاهرات 2011، طارق الذي يريد أن يعيش حرًا وسط مجتمع من التماثيل يصفه بالفوايو لأنه سار في مظاهرة كسّرت أو حصلت بها مواجهات مع الشرطة، طارق الذي يسخر من النخبة التي تُصوّر من بلكوناتها وتترك الشباب والشعب الرقيق تطحنه الشرطة التي « تحفظ الأمن والأمان ». هنالك أيضًا عادل صياد، الشاعر الذي دفن كتبه في مدينته تبسة لأنه لم يعد يؤمن بالشعر ولأنه عاش تضييقات في عمله بالإذاعة الجهوية لذات المدينة.

ينتقل فيلم بهية بين فيديوهات الألتراس ومسيرات الأطباء المقيمين التوثيقية على يوتيوب، سيئة التصوير، وبين ملاقاة الأشخاص الفاعلين، سواء كانوا شبان أحياء شعبية أو ممثلين عن الأطباء المقيمين الذين خرجوا لتحسين وضعيتهم ووضعية الصحة في البلاد لكنهم لم يجدوا جوابا سوى هراوات الشرطة على رؤوسهم. تلتقي بهية أيضًا في الجنوب الجزائري بالطاهر بلعباس، المناضل من أجل حقوق البطالين، وتُصوّر معه اجتماعاته ووقفاته مع البطالين في ورقلة، بل وتدخل معه إلى « المدينة المحرّمة » حاسي مسعود حيث يلتقي بعمال حقول وشركات النفط هناك، نرى، في إحدى أجمل اللقطات، رحلة العودة إلى ورقلة في ليل الصحراء الأسود الذي تحترق فيه آلاف آبار البترول الحمراء.

قد تبدو كل هذه الصراعات مألوفة، الصراعات اليومية لمجتمع مُقيّد في دولة بوليسية، لكننا سننساها مع الوقت، سننسى أسماء الأفراد والجماعات الصغيرة التي واصلت الحركة رغم الجماد، لو لم نوثّق لكل هذا سيأتي آخرون بعد مدّة ويعيدون كتابة التاريخ. وهذا ما يشرحه المفكر دحو جربال في الفيلم حيث يقول: « عودتنا السلطة، بعدما أعادت كتابة التاريخ، أن الثورة هي السلاح، في كتب المدارس وفي النُصب التذكارية، دائما الثورة الجزائرية هي السلاح… لكن لا، الثورة هي لما توقفنا على أن نكون متفرجين على التاريخ وصرنا موضوعًا لهذا الآخرين فاعلين في واقعنا وقدرنا. يمكن للثورة أن تكون سلمية أيضًا. »

عندما نسمع هذه الكلمة، سلمية، أو نرى طارق معمري الذي حرَق من الجزائر كلها ولم يحرق أوراقه فقط وصار يعيش في أوروبا، عندما نسمعه وهو يقول أتمنى أن يخرج الجزائريون بالملايين للشارع ويطالبون بحريتهم؛ عندما نسمع هذا الكلام الذي قيل قبل 7 سنوات من ثورة 22 فيفري المستمرة حتى ساعة كتابة هذا المقال، نفهم أن من خرجوا يوم 22 فيفري لم يخرجوا من العدم، وأن النضالات الصغيرة والمستمرة والدائمة لم تذهب هباءً، بل كانت تُحفظ لنا في مكانٍ ما وتتراكم حتى تنفجر يومًا ما.

« شذرات أحلام » هو فيلم عن الذاكرة التي لا يجب أن تُمحى، ولذلك يجب أن يًشاهد، خاصة من طرف الطلبة الذين احتلوا الشارع وضُرِبوا من طرف الشرطة، ونظّموا أنفسهم وتصدوا لكل الاتحادات المتعفنة التي زرعتها أجهزة النظام في الجامعات. ذاكرة كل النضالات والأفراد الذين واصلوا تغذية الحُلم الأكبر: الحرية، وحاولوا خلق المعنى وسط نظام يُكرِّس الفولكلور واللامعنى والعنف.