روبورتاج – الجمعة الثامنة: شكون سبابنا؟ الدولة هي اللّي سبابنا

كل المؤشرات كانت تقول بأن الجمعة الثامنة ستكون مهمّة وحاسمة، فبعد سبع مظاهرات حاشدة –وبينها مئات المظاهرات الفئوية في كل ولايات البلاد- بدأت الجموع تفقد إيقاعها الأول وحيويتها، لكن مع « الرئيس الجديد » ورئيس الأركان الذي بدا أنه قلِقٌ بشأن ما يحدث في السودان، زِد على هذا الأسبوع الحافل بتواجد الشرطة وقمعها الذي يُذكّر بما قبل 22 فيفري.

كل هذا لم يمنع المواطنين من النزول إلى الشارع منذ الساعة الثامنة لصباح الجمعة، رغم التضييق على مداخل العاصمة من كل جهة. جماعات وأفراد اتجهوا نحو وسط العاصمة لاحتلال الشوارع والساحات والأنفاق.

مع منتصف النهار تأكّد شعور أن الجزائريين استعادوا حماس البداية. وِحدَةُ الشعارات والإصرار في ترديدها. حتى السلالم التي حولّها الشباب إلى مدرّجات ملاعب، كانت تُرسلُ للسلطة رسائل باسمها بين أغنية وأغنية، مثل الشعار الجديد: « سوري، آيام سوري قايد صالح، والشعب هذا مشي جايح، قلنا يتنحاو قاع. »

لكن طبعًا الشارع ليس للشعب وحده، هنالك الشرطة التي لاحظتُ منذ بداية الثورة (لم تعُد كلمة حِراك كافية ولا مُقنعة) ضغطها لكسبِ إقليم أكبر ونزولها من المرادية نحو الأسفل. من جمعة لأخرى تتقدّم نحو أسفل مدينة الجزائر، وتجعل المتظاهرين يخسرون مساحات وشوارع كانوا قد حرّروها. أسير نحو ساحة أودان، المظاهرة مستمرة، وقوية. ألتقي صدفة أستاذي السابق في الجامعة، لم أرَه منذ سنوات. نتحدّث قليلًا ونستعيد نقاشاتنا حول التاريخ والسياسة ويُذكّرني: « أهم شيء اليوم هو أن الكلمة تحرّرت والفضاء كذلك، رغم كل التضييقات. » نتشارك القلق بخصوص عنف الشرطة وحضورها، ثم يضيف: « ومن المهم أن يكون لنا أبطالنا، الشعب ليس هو البطل الوحيد، السلطة تريد تمييع الثورة مثلما ميّعتها بعد الاستقلال، يقولون لنا أن البطل الوحيد هو الشعب، ثم يضربون هذا الشعب، لأن التعامل مع الجموع سهل… »

وقبل أن يُكمل الأستاذ كلامه نرى هروب المتظاهرين ونشم رائحة الغاز. باختصار، الشرطة التي كانت تبدأ المواجهات معها في الأحياء العلوية طيلة الأسابيع الماضية صارت تُطلق غازاتها ومياهها ورصاصها المطاطي في وسط المظاهرة السلمية التي « لم تصعد إلى الأحياء العلوية حتى لا تستفز رجال الشرطة ». أمس الجمعة، 12 أفريل، ومع الساعة الثالثة والنصف زوالًا رأيتُ الدخان وقنابل الغاز التي تُضربُ عليهم. ناس كبار، ناس صغار، نساء ورجال وأطفال هاربين باتجاه البريد المركزي ويهتفون « سلمية سلمية » وشباب عيونهم حمراء ودامِعة يعودون لساحة أودان بهتافات « الشعب مربّي والدولة خاينة ».

نصف ساعة من العنف والغاز والضرب. الشرطة قالت لاحقا أن « بلطجية » تعدوا على الطوق الأمني بشارع محمد الخامس، والمواطنون ردوا: لماذا أصلا يوجد طوق أمني يضغط مئات الآلاف الخارجين من النفق؟ لماذا تحصر الشرطة مئات الآلاف في ساحة أودان؟ أتقدم في ساحة أودان، المتظاهرون يهربون في كل الاتجاهات وكل العيون مثبتة على شارع محمد الخامس أين تراجع الطوق الأمني. وأكتشف أن النفق ضُرِب بقنابل الغاز أيضا، ألتقي الخارجين وأسمع شهاداتهم وسط أنفاسهم المتقطعة. يدوي شعار: « Pouvoir Assassin »، وأتذكّر كل ما قرأته عن المحرقات التي قام بها الاستعمار الفرنسي في مناطق الصبيح والفراشيح، مئات البشر حاصرهم داخل مغارة… وأشعل النار.

أسير في شارع  هنري دريون لأرى المسعفين يحملون رجلًا خمسينيًا، يلبس قميصًا أحمر مزّق المُسعف ياقته ليظهر جرح أحمر بحجم بيضَة: ضربة رصاصة مطاطية. ثم أرى شجرة حديقة الجامعة المركزية، فوق مدخل النفق تحترق، وأسمع الناس من حولي يقولون أن بعض المتظاهرين استعملوا ألعابًا نارية.

بعد الخامسة والنصف نزل رجال الشرطة نحو ساحة أودان، ودخل آخرون النفق من جهة شارع باستور، ورأيتُ عشرات قنابل الغاز المسيل للدموع تتساقط في الساحة. ثم بدأت الشرطة تتقدم نحو البريد المركزي بعد أن سيطرت على شارع ديدوش وشارع محمد الخامس. الغاز وصوت القنابل غطيّا على كل شيء: انتهت الحفلة. في الشارع كانت هنالك فتاة تقول بأن العائلات لن تخرج بعد اليوم بعدما ضربوها: « الناس كانت مع أولادها، دارو لامان، بصح هذو ما فيهمش لامان. »

ما هي الوجوه التي تبقى معي بعد كل مظاهرة جمعة؟ ما هي المشاهد التي يُمكن أن تحتفظ بها الذاكرة بعد جمعة مليونية شاهدت فيها الفرح والغناء يُجاور العنف والتعدي على مواطنين سلميين بالغاز والرصاص المطاطي؟ وجوه كثيرة، روائح وأصوات، فوضى كاملة يحوم فوقها صوت الهيلوكبتر ورائحة الغاز المسيل للدموع. وسط كل هذا تبقى الهتافات، تتردّد في الرأس مثل أغنية جديدة، تبقى تدور في مكان قريب من الأذن وأنا راجع من المظاهرة مع نهاية اليوم. من المهم أن نسمع ماذا قال الناس كل جمعة، كيف ردّوا على الخطابات والقرارات التي صدرت وقيلت، كيف ردوا على العنف والغاز بالسلمية، من المهم أن نرى كيف حَدَّثوا شعاراتهم لجعلها تتناسب مع الظرف المُتغيَّر.

مع نهاية « الحفلة » سرتُ صعودًا في شوارع المدينة، أراقب مركبات الشرطة وخوذاتهم الزرقاء، المواطنين الذين ظلوا يرفعون الصوت، رجال الشرطة المدنيين يصطادون متظاهرين في سن المراهقة من الشوارع الجانبية… وفي الطريق التقيت كالعادة بمراهقين آخرين يسألون عن الطريق لبئر مراد رايس أو سحاولة، بعضهم يسأل: كيفاش نخرجو لوطوروت باش نروحو لفوكة؟ « رايح تمشي حتى فوكة؟ راهو المغرب؟ » انزعجوا من سؤالي، كانوا سيمشون في الطريق السريع لمسافة 35 كلم أو أكثر. أجابني: « معليش مشي مشكل، المهم نوصلوا. » سرتُ معهم قليلا وشرحت لهم كيف يخرجون للطريق السريع، وعندما وصلتُ إلى البيت وبعد شجارات وتعليقات غاضبة على فيسبوك وتويتر بخصوص عنف الشرطة، قرأت هذه الجملة في بيان لثوار السودان يحثّون شعبهم على مواصلة الاعتصام: « خلفنا مصاعب الجبال وأمامنا سهول لنسيرها… » وتذكرت المراهقين والشباب الذين يمشون في الليل، في كل الطرق الخارجة من العاصمة نحو بيوتهم.