خاشقجي ضحية صراع مصالح الشرق الأوسط

أثارت قضية قتل الصحفي والحقوقي السعودي جمال خاشقجي إهتماما عالميا نظرا لوقاحة وبشاعة الجرم الذي وقع على الضحية في أغرب وأفرد عملية إغتيال ستبقى وصمة عار على جبين مرتكبيها، فلا تصنيف لها على سلم عمليات المخابرات سوى غباءا وفضيحة لا مثيل لها، أما أخلاقيا وإنسانيا خرقا لكل الأعراف بوحشية لم يعرف لها نظير منذ الخليقة فحتى قابيل الذي قتل أخاه بحجر غدرا لم يقطع أخاه ليتستر على جرمه.

خاشقجي لمن لا يعرفه ينحدر من عائلة تركية الأصل هاجرت إلى الحجاز قبل 500 سنة لتستقر هناك منهم من استوزر والبعض الآخر كانوا من مؤذني المسجد النبوي، أما جمال فقد تقلد عدة مناصب في مجال الإعلام والصحافة وغطى عدة أحداث من صراعات وحروب ليقوم حتى بلقاءات صحفية عدة مع زميل دراسته أسامة بن لادن، كما شغل منصب مستشار إعلامي للأمير تركي الفيصل سفير السعودية في بريطانيا وبعدها الولايات المتحدة، ليتخلى عنه هذا الأخير منذ أربع سنوات بسبب وجهات نظره حول الإخوان المسلمين.

اختار جمال خاشقجي الولايات المتحدة الأمريكية منذ سنة كمنفى اختياري طوعي ما أتاح له فرصة انتقاد سياسة المملكة العربية السعودية في العديد من القضايا منها حصار قطر، الحرب في اليمن، الاعتقالات التي طالت العديد من الشخصيات….، فكان النصيب الأكبر من التهم والانتقادات موجه لولي العهد، لتأتي الساعة ويتولى فريق الموت مهمة قتل جمال الذي اعترفت السعودية مقتل مواطنها إثر شجار بالقنصلية السعودية، لكن الأدلة الدامغة إلى الآن لتي تبين ضلوع محمد بن سلمان ولو بطريقة غير مباشرة في القضية ليلطخ يده بدماء رجل قال كلمة حق في سلطان جائر.

المتابع لما لحق عن القضية يلاحظ رد الفعل المحتشم للإدارة الأمريكية من غير بعض أعضاء الكونغرس ليخرج بعدها الرئيس الأمريكي ترامب عن صمته مندفعا في اتهام المسؤولين السعوديين بالقضية وأن لا تسامح مع الجاني مهما كانت صفته ثم يتراجع مجددا ثقته في المملكة السعودية التي تذر عليه الملايير.

في حين أن تركيا التي كانت القنصلية بأراضيها مسرحا للجريمة تحركت بعد اختفاء الرجل مباشرة لكن وتيرة نشر المستجدات أو تسريبها لم يكن بالمستوى المطلوب لكشف الحقيقة، إنما كان هناك تماطل يوحي أنه متعمد ومدروس، فكيف لتركيا التي استطاعت أجهزة مخابراتها الكشف عن الانقلاب العسكري صيف 2016 ساعات قبل حدوثه، أن لا تأخذ كامل الاحتياطات لحماية خاشقجي مع علمها بالتحركات الغريبة للطاقم الدبلوماسي السعودي والتحاق مسؤولين سعوديين بإسطنبول تزامنا وموعد المغدور به أم أن الاستخبارات التركية عجزت عن التنبؤ بالسيناريو الذي وقع !

خطاب أردوغان الصادم الذي كان فيه كشف الحقيقة الكاملة جاءت حصيلته كون تركيا تثق في نتائج تحقيق الجانب السعودي كمجاراة لما صرحه به ترامب، ما يجزم تراجع الموقف التركي والأمريكي حول القضية برمتها الغير برئ كون القنوات الدبلوماسية والخطوط الساخنة كانت تؤدي مهمتها على أكمل وجه، فيصمت العالم وكل من أبدى موقفا من حادث القتل العمدي ليتبين أن أرواح الأبرياء لم تكن يوما عائقا للإتفاق على المصالح فكيف بروح شخص واحد.

جمال خاشقجي لم يكن سوى ضحية مواقفه أما العروش التي تملكتموها بالدماء لا بد أن تغرقكم يوما في شر أفعالكم.