! حراك الجزائر أزمة أم ثورة

 أبهر الحراك الشعبي الجزائري العفوي شعوب وحكومات دول العالم المترامية الأطراف بأصقاع المعمورة، من خلال الصورة السلمية الحضارية الفنية ليتحول مع الوقت إلى هاجس يؤرق الكثير من الأنظمة بسبب خروجه عن نمطية العنف التي ينتهجها الشارع في الظروف المماثلة لمجابهة الأنظمة والرغبة بالتغيير السياسي ليساهم في إعادة ترتيب أوراق الثورة السودانية بتغيير تكتيكها التي بدأت قبله بأشهر، كما أعاد الأمل لشعوب لبنان، العراق والشيلي ليصبح الحراك السلمي ظاهرة ذكية أبانت عورة الأنظمة الشمولية ومزقت ثيابها الرث المزدان بديمقراطية مزيفة أنهكت الأوطان وشعوبها. بلوغ الحراك جمعته الثانية والأربعين يوحي أن العقل الجمعي للشعب الذي يناضل لأجل جزائر حرة ديمقراطية يسودها القانون العدل والمساواة قد اختار أطول مسارات التغيير وآمن مسالكها لا لشئ سوى لأن هذا الوطن أمانة الشهداء فقد اكتوى وارتوى من التجارب التي مرت على ذاكرته الجماعية ولا زال يئن من إرتداداتها ومرارتها فما العشرية الحمراء والربيع الأمازيغي ببعيد دون تناسي الكثير من محاولات النهوض بالديمقراطية منذ 62.

إن من مهازل القرن أن يُلجأ للإبهار الجماهيري والإعلامي خلال تناول مجريات الأحداث والتطورات على الساحة السياسية بكل خطوة (لا يعترف بها غالبية الشعب) يقوم بها النظام من مراحل محاولة رسكلته مع إعطاء الإنطباع للسذج أن التغيير يسير بخطى ثابتة دون الخروج عن القواعد التي يضعها ويحتكم لها. إذ من أسخف ما يحاول التأثير به اللعب على وتر المصطلحات والمفاهيم لنجد التاريخية لصيقة بكل ما يمكن أن تلازمته، فمن المحطة التاريخية فالإستحقاقات التاريخية للمحاكمة التاريخية وصولا إلى المناظرة التاريخية ما يذكرنا لزوما بمشاريع القرن التي كان يتشدق علينا بها بوتفليقة ووزراءه ولا زال زبانيته اليوم، لتنتهي أشغال برنامجه المسطر ويسلم بموعد خارج حساباته بأكبر برنامج فساد بإفريقيا وربما العالم بمعايير عالية تجسدت عن مشروع الإفلاس التاريخي على المستويات الإقتصادية، السياسية وحتى الفكرية. بالعودة لمصطلح الأزمة الذي تبناه إعلام سلطة الأمر الواقع كما أورده قائد الأركان قايد صالح في معظم خطاباته التي ضعنا في عدها وتحدث به في الخطابات الست رئيس الدولة غير الشرعي بن صالح والإستمرار بتداوله، ليدل على إصرار النظام وتعنته برفضه كل المبادرات والخرائط المطروحة خارج إطار سياق خطته المرسومة المعدة مسبقا التي لم يتبقى سوى القليل على إكتمال تنفيذها حسب التقرير الذي رفعه بن صالح لبوتين عن الوضع بالجزائر، ما يفسر أن النظام يعتبر حراك 22 فيفري أزمة ما كانت لتحصل وتكشف الورم الخبيث الذي أنهك الجزائريين الذين نجحوا بظرف وجيز الإستثمار بالوعي الجمعي بعدم الإندفاع وراء ما يحاول الدفع به كل مرة إضافة للتسويق والترويج لبلدهم بصفر تكلفة عكس النظام الذي لم يستطع حتى بناء عاصمة تليق بالجزائر الوطن القارة.

كما يرى البعض التصعيد الذي لجأ إليه الشعب متأخرا من خلال تكثيف المسيرات اليومية بمختلف الولايات تزامنا والحمى الإنتخابية المرفوضة والدعوة للإضراب العام في آخر أسبوع قبل خميس العار الذي يريد النظام تمريره عنوة بالعزف على أسطوانتين أولاها التهديد الخارجي الذي لن يكون ما دام منصب رئيس الجمهورية ظل شاغرا لسبع سنوات ومعه ختم الجمهورية المختطف بيد القوى غير الدستورية لنفس المدة أما ثانيها تدهور الوضع الإقتصادي الذي هو نتاج السياسة الرشيدة للعصابات بدوائر الحكم إذ بدأت بوادر العجز المالي الإقتصادي تظهر بالعهدة الثالثة فسارع النظام لسد هذه الفجوة بقرارات إرتجالية التي هي أعمق من أن يتسبب بها حراك يريد النهوض بالوطن وتغيير أبجديات التسيير القديمة التي لا تساير عصر الرقمنة.

من جهة أخرى فمصطلح الحراك فرض على 22 فيفري وجوبا نظير ما ميزه آنذاك، بينما مجريات الأحداث من قمع وإعتقالات في حق المتظاهرين السلميين ، المناضلين والنشطاء، تكميم الأفواه والتضييق على الحريات، إخضاع الإعلام للإملاءات وتزييف الحقائق،… أبانت أن الشعب الجزائري يعيش ثورة مكتملة الأركان أسقطت كل الأقنعة المزيفة كما أكدت على وحدته لحمته وتزكية المؤسسة العسكرية لأداء دورها المناط بها دستوريا مع التخلي عن مهمة صناعة الرؤساء، جعلت النظام يتخبط في شكل يوحي بأن الأزمة تدور في دهاليزه، كشفت اللثام على أن الإرادة الشعبية الجزائرية متآمر عليها من قبل النظام والقوى العالمية حفاظا على موقعها ومصالحها. الجزائر الحلم التي يناضل الشعب لأجلها لن تكون سوى بإكمال ثورة الإبتسامة والكرامة للنهاية يولد من رحمها مرحلة إنتقالية بمجلس تأسيسي سيد منتخب ينجر عنها قطيعة فعلية مع النظام المتجذر بأركان الدولة، أما إنتخابات العار وإن كانت ستلد عاهة رئاسية غير شرعية منقوصة الحكم والسيادة. أوصدوا كل أبواب الحرية لو تمكنتم لكن حلم الجزائر الحرة الديمقراطية يسكن بنا فامنعونا الحلم لو استطعتم، تحيا الجزائر.