…حدث بسيدي أمحمد

مثُل يوم الإثنين من الأسبوع الماضي كل من معتقلي الرأي « مسعود لفتيسي » و « بلال باشا » أمام قاضي التحقيق بمحكمة سيدي محمد الواقعة بشارع عبان رمضان  » مهندس الثورة » مواليد الأربعاء نايت ايراثن ينحدر من عرش آيت إيراثن من القبائل الزواوية يعد أحد الذين كان لهم فضل تنظيم الكفاح المسلح بالثورة الجزائرية.

بينما مسعود وبلال أمام قاضي التحقيق رفقة هيئة الدفاع المكونة من محامين نذروا وقتهم وجهدهم وأقسموا أن ينتصروا للحق والحرية دون شرط أو قيد، بالخارج تحديدا الشارع المحاذي للبوابة الخلفية للمحكمة يقف عائلات المعتقلين ومن يساندهم بدعوة من شبكة النضال ضد القمع من أجل إطلاق سراح سجناء الرأي ومن أجل الحريات الديمقراطية التي تقوم بعمل جبار من خلال دعم أولياء المعتقلين والدفاع عنهم إلى مرافقة الحراك الشعبي والدفاع عن الديمقراطية وحرية التعبير.

منذ دخول المعتقلين الهتافات والشعارات خارج المحكمة تعلوا من أجل إطلاق سراحهم ومن جزائر الحرية والعدالة « أطلقوا أولادنا وأدوا أولاد القايد » « أطلقوا المساجين ما باعوش الكوكايين » « بوفوار آساسان » « جزائر حرة ديمقراطية »، بالرغم من الحناجر المبحوحة والأصوات البعيدة إلا أنها وصلت لمسامع مسعود وبلال (اللذان إغرورقت عيناهما بالدموع) وكل من كان بالقاعة بما في ذلك قاضي التحقيق وسط هذا الجو الذي وضع هذا الأخير تحت الضغط الذي لم يثنيه عن إيداعهما الحبس المؤقت مجددا، المعتقلان لما أحيلت لهما الكلمة كانا يجيبان بكل أريحية وثقة بالنفس « لم نرتكب أي جريمة ولم نتعدى على القانون خرجنا لأجل الجزائر ولأجل الحرية »
المحامية عويشة بختي أول من خرج من هيئة الدفاع وكلها فخر بالشباب « لفتيسي وبلال رجال والله ما نخاف على دزاير مدام كاين رجال وحتى أنتوما رجال يطول الحال أو يقصر غير دزاير ترجع لينا بيهم وبيكم »، وأردفت  » بن مهيدي عاد في شخص لفتيسي، في كل شيء نفس الحكمة، الأناقة، الذكاء »،  » راني مهنية ما نخافش من اليوم على الدزاير ».
بعد مدة خرجت المحامية نبيلة إسماعيل التي أحاطها من كان بالخارج لمعرفة المستجدات حول ما وقائع بالمحاكمة حسبها أيضا، لتسبقها دموعها وهي تقول « الحمد الله كانوا فالمستوى وإجاباتهم كلها رسائل، أعينهم امتلأت بالدموع بسبب هتافاتكم لكن ذلك زاد من ثقتهم بأنفسهم وجعل القاضي محرجا أمام هذا الموقف » أضافت « سمعنا القاضي ونحن نتحدث بيننا ألا يخافون على صحتهم أو على أبنائهم بسجن الأبرياء وظلمهم … لم يفعلوا شيئا ليسجنوا »، « رافعنا على ظروف السجن وقلنا للقاضي على ما تعرضوا له من إهانة بإعطائهم قارورة ماء واحدة وفريدة باليوم، يشربون، يستحمون، ويستعملونها للمرحاض، إذ لولا تدخل المحامين لدى الإدارة بشكل قوي وصارم للازالوا يعانون من نفس المعاملة، بالله عليكم حرمتموهم من الحرية ووضعتموهم بالسجن ظلما دون سبب لأجل مطالبتهم « بالحرية » فلا تحرموهم من الكرامة، أعز شيء يملكه الإنسان الكرامة ».

كل من حظر لأجل مسعود وبلال ينتظر ليخرجوا في البوكس الذي ينقلهم لمحبسهم المؤقت الذي لم يختاروه،خرجت المحامية فطة سادات وطال الإنتظار ليبقى عدد قليل من أهلهم وأصدقاءهم علهم يظفرون بلمحهم من وراء سياج المركبة، في نفس الوقت مجموعات صغيرة تناقش الوضع السياسي وبعض الأفكار عن الحراك هنا وهناك، يقابل ذلك تجمع لأفراد الشرطة عند الرصيف المقابل للمدخل الخلفي للمحكمة تحت إشراف ضابط يرتدي نظارات سوداء ويحمل طالكي والكي.

أمام هذا التجمع لرجال الشرطة استقدم زملاء لهم ثلاث شباب مراهقين لا يتجاوز سنهم 19 سنة بدراجات نارية أحدهم ذهب وتركها ممتعضا يتمتم أما الآخر فلم يرد أن يفرط في دراجته وتلاسن مع الشرطي بعد الشد والجذب الذي جره إلى عربة الشرطة التي انطلقت به لاحقا، الثالث كانت هناك وثائق بيد الشرطي ربما لدراجته لكن زميلا له أصر على حجزها بينما الولد قاوم ذلك بالعويل ليثير انتباه كل من كان في الشارع ويزداد الصوت الذي يصدره لنفهم أنه أصم، مقاومته لقيت تعنيفا من طرف باقي الشرطيين الذين كانوا حاضرين ومحيطين به ربما سبعة أو أكثر لنزع يديه عن الدراجة برفعهما إلى السماء ثم إبعاده عنها ليركبها نفس الذي جر صديقه ويقلع بها، بتسارع الأحداث وسط دهشة الحاضرين الذين لم يزيدوا عن إثني عشر بما فينا ثلاثة محامين من المعاملة اللاإنسانية التي لاقاها الشاب المراهق جاء أحد أفراد الأمن ليطلب منا المغادرة بكل هدوء لتطلب أخت لفتيسي انتظار خروج أخيها بكل لهفة ومن معها، ليفاجأها أنه تم إخراجه وصديقه من البوابة الأمامية للمحكمة منذ خمس وأربعين دقيقة ليغادر الجميع نحو وجهته.

هذا ما حدث في يوم من أيام وقفات مساندة معتقلي الرأي وبإحدى محاكمات أبطال الحراك وثورة الإبتسامة داخل محكمة سيدي محمد وخارجها بشارع عبان رمضان الذي اغتيل في المغرب يوم 26 ديسمبر1957، بعد مؤامرة من زعماء لجنة التنسيق والتنفيذ حيث شنقه عبد الحفيظ بوصوف بربطة عنقه.