ثبوت هلال رداءة الشبكة البرامجية الرمضانية

بعد انقضاء الثلثين الأولين من شهر رمضان يحق لنا التحدث عما بثته القنوات العمومية والخاصة ولازالت، حيث لم نتسرع في إصدار حكم مسبق بإشهار سيف الحجاج لكي يتسنى تمحيص ما جاء به الزخم الإنتاجي الذي لا نجده إلا في هذا الشهر من السنة، كأن لا حق للمُشاهد توفر مادة إعلامية ترتقي لتطلعاته غير هذه الفترة.

الكاميرا الخفية التي تجذب أكبر نسب مشاهدة ويلتئم عليها الشمل الأسري حول مائدة الإفطار، كانت في مجملها دون هدف أو عبرة لتكتسب صفة الدنائة منها حتى ما هو مفبرك، كما لم تخلوا من العنف بما فيها زوجات يضربن أزواجهن على الملأ في مواقف لا يحسدون عليها، رياضيون لا يمتلكون من الأخلاق والروح الرياضة إلا الإسم، ناهيك عن الكلام البذئ الذي صدر من مغنيي الكباريهات والعلب الليلية، ناهيك عن التلاعب بمشاعر المشاهدين في برامج إنسانية مصطنعة.

أما فيما يخص الكوميديا فحدث ولا حرج، فالإنتاجات التي صرفت لأجها الملايير بلغت من التفاهة ما لا يطاق حد التذمر، لتشترك جميع الأعمال الرئيسية التي كان يعول عليها في فخ الإبهار السمعي البصري بمضامين خاوية ذات فكرة موحدة هي السفر عبر الزمن، « بوقرون » الإنتاج الضخم الذي لم يكن سوى ترويج وإشهار من طرف كاتبة النص، المنتجة والبطلة لزريعتها التي بلغت من خلالها مبلغها ليُصدر إلى قناة عربية بهدف إكتساب الشهرة دون مراعاة كسب مكانة عند المشاهد العربي وهذا مالا طائل منها بالهيدورة و الزليف وخرتيتي. « عنتر ولد شداد » الذي ليس سوى تقليدا غير ناجح وإقتباسا لفكرة الفيلم المصري « عنتر ابن ابن ابن ابن شداد » بطولة هنيدي لم يكن سوى « بسالة » جزائرية بامتياز وعن « بيبان الدزاير » لا يسع القول إلا هلكتم تاريخ أبواب الجزائر فهي تبكي على ماضيها وتندب حاضرها.

وعن الدراما التي كانت جد محدودة انتاجا، فقد أصيبت بوابل من الدراما التركية والمصرية لتلبس عبائتهم وتخرج من الواقع الجزائري بديكورات طبيعة معيشة برجوازية تغرق المشاهد في أجواء الطبقة الغنية برومانسية مبتذلة، مسلسل « الخاوة » صار الأخوات لخلوه من الإخوة أصحاب القصة، أما ا »لنار الباردة » فكان بنفس مبدأ سالفه زيادة عنه لم تغب قارورة الماء للراعي له عن جل المشاهد لتطفأ فتيل تسلسل أحداثه.

بالعودة إلى الأداء التمثيلي الذي استخدمت به تقنيات صوتية وتصويرية فائقة الجودة فأغلب الفنانين كان تمثيلهم إعتباطي بعيد عن الإحترافية بمقتل كيف لا ونحن نجد مقدمي برامج، منشطين، منتجين،عارضي أزياء تم فرضهم عبثا بالأعمال الدرامية والكوميدية دون أدنى متطلب من الموهبة أو التكوين نتيجة هوس الظهور أمام الكاميرات، في حين نجد نفس الممثلين في قنوات وأعمال مختلفة احتكارا لم تسلم حتى الاشهارات منهم كأن لا أحد يتقن فن التمثيل بالجزائر سواهم، إذ وسط كل هذا اللغط نجد وجوها أثبتت جدارتها وأحقيتها بالظهور على الشاشات بإثبات إمكانيات فنية فريدة أمثال عبد القادر سليماني ، صبرينة قريشي، أنيس جلولي……دون تناسي سقطات بعض الأسماء الكبيرة الفنية بأدوار لا معنى لها في أعمال لا ترتقي لمسيرتهم الفنية.

أما فيما يخص نصوص الأعمال فهي تفتقر لأدبيات الحوار النصي وفضاضة المحتوى فلا أحد ضد الحداثة بتغيير النمطية، لكن ليس بهكذا مستوى سُخرت له كل الإمكانيات المادية والبشرية دون جدوى وما نتج ليس إلا تكريسا لمبدأ تغييب للمبدعين، كغياب يشبه غياب سلطة ضبط السمعي البصري التي لم نسمع ولم نبصر لها حسا منذ ترسيمها فيما عدا تطبيق أوامر عليا.

الرداءة الفنية عبر قنواتنا ليست سوى إمتدادا للرداءة السياسية، الإقتصادية والإجتماعية التي حلت بجزائر العزة والكرامة.