تكريما لجميلة الجزائر

من الصدف أن كان التاريخ الذي أقرته المحكمة العسكرية الفرنسية لإعدام أيقونة الثورة الجزائرية جميلة بوحيرد يوم 07 مارس 1958، بفارق يوم فريد عن الثامن مارس اليوم العالمي للمرأة. ليُكتب مجد آخر لهذه العظيمة التي تعدى صيتها العالم العربي وصار إسمها هو جواز سفرها ليُكون متلازمة مع الجزائر.

بنت القصبة، الطفلة الجريئة التي واجهت ناظر المدرسة الفرنسية بعبارة « لا لا الجزائر أمي »، الفتاة المتخلقة التي درست بالمعهد العالي للخياطة وأحبت الموضة، الممارسة للرقص الكلاسيكي والعاشقة لركوب الخيل. الفتاة العشرينية التي رمت بنفسها في أحضان الثورة لتناضل من أجل أنا تحيا الجزائر.

من آثرت أن تُرمى بالرصاص لتصاب في كتفها وتُستنطق على فراش الموت بصاعق الكهرباء عوض الإدلاء أو الإعتراف بأسماء أحد المجاهدين أو مكانهم على رأسهم ياسف سعدي الذي كانت حلقة وصل بينه و بين قائد الجبل في جبهة التحرير، لتختار التستر عليه ومجابهة كل ما حدث لها.

أول مجاهرة أمام هيئة قضائية عسكرية فرنسية بأنها في صفوف جبهة التحرير في جلسة دامت أكثر من 18 ساعة أُصدر فيها حكم الإعدام بدفاع السيد « جاك فيرجيس » الذي عاد إلى فرنسا ليصدر كتاب  » من أجل جميلة بوحيرد » ويقوم بحملة إقناع الطبقة المثقفة بفرنسا عن فضاعة جرائمها بالجزائر وينجح في مهمته ليكسب مساندين لها، لكي تجدول قضيتها على طاولة أعمال لجنة حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة فيخفف الحكم إلى السجن المؤبد بعد تدخلها.

جميلة التي أطلق سراحها بعد الإستقلال بعد أزيد من ست سنوات سجن، كُلفت برئاسة إتحاد المرأة الجزائري واستقالت بعد أقل من سنتين من توليها بسبب خلافها الدائم مع الرئيس أحمد بن بلة الذي قيل أنه قدم لها إعتذارات عن ما بدر منه في حفل أقيم على شرفه بعد السماح له بالعودة للجزائر سنة 1989.

الملاحظ أنه في كل ظهور إعلامي للمجاهدة جميلة بوحيرد أو تكريم بالخارج، هناك من يحاول تشويه صورتها وتسييس القضية و إدخال الرأي العام في متاهات في غنى عنها، لكن دون جدوى لأن سمعتها سباقة، فعدم تناولها الشأن الداخلي البلدان المستضيفة كلبنان و مصر مثلا ينبع من إحترامها لحق الضيافة ليس إلا.

كما نالت نصيبها من التكالب الإعلامي الوطني كلما سربت بعض التصريحات لها بين الفينة والأخر، بشأن مستجدات الساحة السياسية أو رأيها بما يحدث في سدة الحكم و الفاعلين السياسيين. فلم تخجل بعض أبواق الإعلام بإتهامها بالجنون أو الخرف خاصة حين خرجت عن صمتها وطلبت المساعدة أثناء مرضها في 2009 أين قدمت نداء إستغاثة للشعب لتوفير مصاريف علاجها الذي خصصت بعدها نصيبا منه للأعمال خيرية، فإتهمت بتسويد صورة الجزائر.

حديث جميلة الجزائر عن المجاهدين المزيفين ومن يدعون صدور الإعدام في حقهم إشارة صريحة من المرأة لحجم التزييف في الحقائق التاريخية التي يستغلها كثيرون في السلطة ودعوة غير مباشرة لإستقصاء الحقيقة التي باتت ضرورة وحقا مطلق وجب أن نعرفه و نضعه بأيدي الأجيال القادمة.

المجاهدة الوحيدة المعروفة التي لم تستغل إسمها  ولم تسعى أو تطمع يوما في السلطة، لا نائبا بالبرلمان ولا غيره، فلم تنتظر جزاء الإخلاص لوطنها، لتكافأ بتغييبها عن الساحة السياسية  وعدم تكريمها بما يليق بها ومكانتها، لكن إن تم دعوتها سابقا ولم تلبي فلأمر أعظم وصمتها الغير مبرر لكي يبقى إسمها مع الشهداء الأحياء.

جميلة بوحيرد الصندوق الأسود للثورة الجزائرية الذي لم يفتح.