تجديد الدين الإسلامي اليوم قضية مسؤلية وليست اختيارا

من الضروري قبل أن نتطرق إلى موضوع تجديد الدين الإسلامي أن نحدد طبيعة هذا التجديد لشدة ارتباط هذا المصطلح بالحركة السلفية التي لا تتصور التجديد إلا بمعنى ترميم الماضي وإعادة بعثه. تصور يندرج في نفس تصور مفهوم الإصلاح (عند المصلحين)، الذي يعني تصحيح ما أفسد من الدين لكلي يعود إلى حالته الأولى.  بهذه الذهنية المتوجهة إلى الماضي تفهم الأغلبية الساحقة من المسلمين هاذين المصطلحين. التجديد المعني بالأمر هنا هو الذي يتوجه بنظره إلى المستقبل. غايته بناء، انطلاقا من نفس النصوص، إسلاما جديدا يتلاءم مع ثقافة المسلمين اليوم وظروف مجتمعاتهم ليمكنهم من مواجهة تحديات العصر الذي ينتمون إليه.

مثل هذا التجديد المتوجه إلى المستقبل سبق أن نادى به في بداية القرن العشرين بعض المفكرين المسلمين الذين أرادوا الخروج بمجتمعاتهم من التخلف والدخول بها عصر الحداثة. غير أن السؤال الذي طرح أنذاك ينطوي على امكانية الإختياربين الأخذ بهذا التجديد أم تركه مثلما يظهر على السؤال الذي كان محل نقاش كثيرفي ذلك الوقت : هل يتبنى المسلمون الحداثة أم ينعزلوا من أجل الحفاظ على أصالتهم ونظام مجتمعاتهم؟ المناقشات الحادة بين دعاة الحداثة والحافظين إنتهت بإنتصار المحافظين. غير أن ظروف العالم اليوم لم تعد تمكن مثل هذا الإختيار. فعدد المسلمين الذين يعيشون في الغرب يتزايد يوما بعد يوم والثورة التكنولوجية قد هدمت الحدود الجغرافية والثقافية الأمر الذي جعل الإتصال بالغير أمرا واقعا وفكرة الإنعزال أسطورة. مهما كانت شدة التمسك بالماضي الذي يبدوا على سلوكاتها، تعرف المجتمعات الإسلامية تغيرا في الأحوال والذهنيات وتحولا في القيم لا يمكن إنكارهما. المشكل أن ما يقدم لها من تعليمات وتشريعات في ميدان الدين لا تسايرهذا التطور.  ما يزال يقدم للمسلمين تصور وفهم للنصوص يعود لقرونه الأولى. لذلك فعلاقة المسلمين بعصرهم اليوم تتميز بالتوتر والتعقد: منهم من يرفضه ويريد الإنتقام من كل ما يمثله، منهم من يشعر بتأنيب الضمير اتجاهه إعتقادا منه أنه يعيش زمنا لا يمكنه أن يكون على الصورة المطلوبة منه فيلتجأ إلى الأصولية المتشددة بحثا عن التخفيف من معاناته النفسية ومنه من يفضل أن يقول قولا ويعمل بضده في نوع من النفاق مع نفسه ومع الغير وهم الأغلبية.

كل هذه الأحوال تؤكد أن تجديد  المسلمين لدينهم : طريقة فهمهم وتطبيقهم له  ليست أمرا ضروريا فقط وإنما قضية مسؤلية. مسؤلية المسلمين نحو أنفسهم أولا. لا بد من التخلص من تمزقهم بين حاضر ينتمون إليه وماض يظنون أنه من واجبهم الإنتماء إليه. لا بد أن ينظر المسلمون إلى الماضي كواقع السلف والحاضر كواقعهم هم والمسؤولية العلماء والمثقفين أن يشرحوا لهم أنه من حقهم أن يعيشوا وفق متطلبات زمانهم مثلما عاش الأولون وفق متطلبات زمانهم. لا بد أن يعيد المختصون تفكير النصوص وقراءة تاريخ الإسلام  حتى يقدموا للمسلمين دينا جديدا يمكنهم من الإنتماء إلى زمانهم دون عقدة أو تأنيب ضمير.

تجديد الإسلام هو ثانيا قضية مسؤلية المسلمين نحو الآخرون لأنهم في إتصال بهم اليوم أكثر من أي وقت مضى.  إنه من واجبهم أن يعيدوا النظر في خطابهم الذي يتعلق بالعلاقة بالآخر ونظرتهم إليه.  لا بد أن يكون هذا من الواجبات الأولية لكل المؤسسات التربوية. إنه لمن الضروري أن يتخلص الإسلام من خطاب الكراهية نحو الغير الذي يدفع البعض لقتل الآخر وقتل أنفسهم. لا شك أنه ليس هناك أكثر دليلا على حالة الإخفاق لخطاب يدفع إلى قتل الآخر وقتل النفس.

تجديد الإسلام هو ثالثا قضية مسؤولية نحو هذا الدين. لا يمكن للمسلمين أن يطلبوا من دينهم أن يكون دينا شاملا وفي نفس الوقت يجعلونه حبيس الماضي ومحيط جغرافي وثقافي واحد. إن الإسلام اليوم في حاجة ماسة لكي يتحرر من قبضة الماضي وقراءة السلف ومناهجهم التي وضعت في مرحلة من التاريخ لا تعرف رهنات اليوم.   مسؤلية المسلمين نحو أنفسهم ونحو دينهم تفرض عليهم أن لا يكتفوا بالتصريح أمام كل منظر إرهاب وحشي  » هذا ليس من الإسلام » أو » إنه مجرد تفسير خاطئ للنصوص « . مهما كان حبهم لدينهم فهذا الكلام لم يعد يكفي أمام الخطاب الذي يقر حالة الذمة وخضوع المرأة للرجل ويدعوا إلى الجهاد مثلا. لا يجب على المسلمين أن تمنعهم عاطفتهم نحو دينه من التناول بالنقد النظريات والمبادئ والأفكار التي تحيط بالإسلام منذ نهاية الوحي إلى هذا اليوم.

 تعيش الإنسانية اليوم فترة صعبة من تاريخها. لقد أصبح العنف وسيلة للتعبير والمطالبة بالحقوق وحروب الديانات تهدد أمن الناس من جديد. لذلك فمسؤولية الكل نحوها كبيرة. لا بد من حمايتها من التوحش والحروب والإنحطاط. لا بد من حماية قيم الحداثة: الحرية، الكرامة، العدالة التي ليست سوى سن رشد الإنسانية التي تطلب وضعها زمنا طويلا. إن المسلمين ليسوا معفيين من هذه المسؤولية. بل يحملون منها قدرا كبيرا. إن الكثير من العنف والإعتداءات والمساس بالإنسانية مترتكب بإسم دينهم، نهيك عن عددهم المرتفع. فمليار ونصف من المسلمين و الذين يحملون ثقافة إسلامية، يجعل لا شك تأثيرهم على مسار التاريخ كبيرا الأمر، الذي لا يمكن الإستهانة به.

 لكن المشكلة أن فكرة أن السلف هم فقط من فهم الدين بشكله الصحيح ما تزال تسيطر على الأذهان وتجعل كل خطاب جديد يخالف فهم الأولين للدين وتطبيقهم له يعتبر خروجا عن الإسلام. كأن السلف هم فقط من لديهم الحق في التفكير في دينهم ومجتمعهم وأحوالهم. وكأن السلف بلغوا الحقيقة المطلقة التي ليس بعدها حقيقة. لقد نسي المسلمون أن السلف ليسوا إلا بشرا ومهما كانت معرفتهم وتقواهم لا يمكن أن يبلغوا العصمة أو المعرفة المطلقة طبقا للنسبية العلمية والوحدانية الدينية. إن الذهنية السلفية هي الحاجز الإبستمولوجي  الذي تفرض عليهم مسؤليتهم أمام التاريخ تخطيه.

عدناني رزيقة

عدناني رزيقة كاتبة، فيلسوفة وباحثة في الفكر الإسلامي، عضو  في المجلس التوجيهي لمِؤسسة اسلام فرنسا و كذلك في المجلس العلمي لمركز المدني للدراسة الحادث الديني.

. نشرت في 2011 عن دار النشر إفريقيا الشرق « تعطيل العقل في الفكر الإسلامي هل يخدم الإسلام أم يضر به؟ »  في 2013 نشرت

La nécessaire réconciliation »

التي أعادت نشره في طبعته الثانية في 2017 Upblisher

في ديسمبر 2017، صدر لها

Islam : quel problème ? Les défis de la réforme, UPblisher France

عدناني رزيقة هي صاحبة مقالات صحفية عديدة  والمؤسسة والرئيسة للأيام الدولية للفلسفة بالجزائر التي غايتها إخراج الفلسفة من جدران الجامعة واعطائها مكانة على الساحة الثقافية الجزائرية.