السلطة تتعنت في وجه الإرادة الشعبية

ما تشهده الجزائر من حراك منذ 22 فيفري لم يكن متوقعا لا من السلطة أو حتى بعض أطياف الشعب، إذ أن المسيرة التي تمت الدعوة إليها بهذا التاريخ لاقت إقبالا منقطع النظير لتليها عدة مسيرات للنخبة ومسيرتين شعبيتين يومي 1 و8 مارس بحيث تعد الأخيرة أضخمها لمشاركة الملايين بها.
ففي ظل المعطيات الجديدة بالساحة السياسية التي فاجأت السلطة وخلطت أوراقها بتمرير العهدة الخامسة وكل المستفيدين من الاستمرارية التي أريد فرضها على الجزائريين باسم الشرعية الثورية ومعزوفة الأمن والاستقرار يلاحظ الصمت المطبق من طرف النظام منذ بداية الحراك خاصة الأسبوع الأخير والتواصل مع الأمة عبر الرسائل والقرارات فقط.
إن السلمية والتحضر الذي طبع الحراك الشعبي لم يأتي من فراغ بل نتاج وعي فردي وجمعي مواطناتي لم يألفه المجتمع أو لم تسنح الفرصة لاكتشافه من خلال تجارب مر بها قطفت بعض ثمارها أحيانا وعانى من ويلاتها كثيرا فما العشرية الحمراء والربيع الأمازيغي ببعيد أضف إليه ما أنتجته الثورات العربية وتبعاتها باستثناء الجارة تونس.
هذا الوعي والخوف على مصير الوطن الذي تبناه الشعب ولم يُلتمس عند ممارسي السلطة من خلال تجاهل مطالب الشارع بالإنصات لصوت المصالح والبقاء بالمناصب بل تعداه للتصعيد باستفزاز كل خطوة قانونية أو احتجاج يحسب للحراك. فمن التضييق على القنوات التي تغطي المسيرات وتعنيف الصحفيين والطلبة إلى تجاهل وقفات ومساعي المحامين الذي ليس إلا دليلا على تغول السلطة والسير بالبلاد والعباد نحو الهاوية.
المشكل الأخلاقي الذي وقع فيه النظام برمته أنه فقد المصداقية من الناحية القانونية والإنسانية نظرا لتعديه الصارخ على الدستور من جهة والحالة الصحية للرئيس المنتهية ولايته دون إيجاد بديل يتقبله الجزائريون الذين رغم علمهم بوضع هذا الأخير وكيفية سير دواليب السلطة إلا أنهم صبروا عهدة كاملة تجنبا لسيناريوهات عديدة لم تكن في صالح الوطن، فلم تشفع تضحيات الشعب أو تثني النظام والمتحكمين فيه إصرارهم على الحكم بالوكالة عبر الرسائل بالرغم من انسداد الأفق المستقبلية للبلاد على كل الأصعدة.
الارتباك الذي تعيشه السلطة لم يكن ضمن أجنداتها ليجد النظام التعنت، الترهيب، وتزييف الحقائق وسيلة دفاعية في ظل تمسكه بخطابه وعدم ضمان خروج آمن يحافظ بموجبه على مصالح أفراده مع طمس وتمييع كل ما يدينه على الأقل، كما لم يصنع معارضة وهمية قوية تذود به عن مطالب الشعب لتبقيه خلف الستار، ليشحذ وقتا إضافيا يأخذ به أنفاسه ويلبس ثوبا آخر.
إن الحراك الشعبي اليوم في مواجهة نظام متجذر بكل دواليب الدولة أين شكل عصابات سياسية، اقتصادية وحتى ثقافية حاولت ولا زالت تحاول إجهاض الحراك وستظل عبر مختلف الطرق من بلطجة، شراء الذمم بالامتيازات، محاولة تشويه المناضلين وتشتيت الصفوف زد على ذلك الاختراق عبر شخصيات تحسب على النظام أوقد تكون حتى من المعارضة صنيعتها تعلن مساندتها للشعب كي تصبح عنصرا فاعلا فيه بقصد احتواءه لصالحها وابتلاعه.
وعليه فلا بد من الإبقاء على الطابع السلمي للمسيرات مع الاستمرار في التعبئة الشعبية لتفكيك النظام داخليا من خلال كسب مؤيديه والموالين له والتحضير لانهياره تدريجيا، اليقظة وتحصين الحراك بالعمل على وضع قاعدة نضالية لتأطيره عن طريق تزكية ممثلين عن كل فئات المجتمع وتشكيل مجموعة ممثلة عن كل ولاية ترأسها خلية جهوية بقصد التنظيم، التنسيق والتوجيه لأجل التوحد واتخاذ قرارات للخطوات المقبلة مع عدم الوقوع في فخ شخصنة الحراك وتجاوز الخلافات والإيديولوجيات كي يبقى شعبيا محضا لأجل الانتقال لجمهورية ثانية سيدها القانون.
الوطن يمر بمخاض عسر بحاجة لأبنائه المخلصين بالداخل والخارج قصد تحقيق حلم الجزائر الحرة الديمقراطية.