الحق في أن تلعب « لودو » في الجزائر

في الأسابيع الأولى للحراك، وبعد المسيرات التي غالبا ما كانت تنتهي بمواجهات عنيفة بين الشرطة والمتظاهرين الصاعدين نحو قصر المرادية، كُنت أرى جماعات صغيرة من المراهقين تجلس وسط الشوارع الكبيرة للمدينة، على بُعدِ عشرات الأمتار من النيران وخطوط المواجهات، جماعات صغيرة لا يتعدى عددها أربعة أشخاص رؤوسهم منحنية على المساحة الضيقة بينهم وينهمكون في فعل شيء ما. لا يبالون بالمظاهرة التي تنتهي ولا بعنف الشرطة الذي برّره الكثيرون لاحقا.

ماذا يفعلون؟

مراهقون لا يتجاوز سنهم 15 سنة، يجلسون في مكان لن تجد فيه موضعا لقدمك وسط أيام الأسبوع، في شارع ديدوش مراد… شارع حسيبة بن بوعلي… ساحة أودان… يتجوّل الناس من حولهم، يتدافع البعض، يعود البعض خائبًا من « فوق » يضغط بيده على موضع ضربته رصاصة مطاطية. لكنهم لم يكونوا هناك، مع الشارع، كانوا في مكان آخر، محتّلين الشارع وجالسين في سكينة من لا يفكر بأنه في أي لحظة يُمكن لسيارة إسعاف أن تخرج من العدم وتخترق الشارع.

عندما اقتربت منهم وجدتهم قد اجتمعوا حول شاشة هاتف ملوّنة، يتناوبون النَقر عليها، كلٌ ودوره. كانوا يلعبون لعبة ما. لا أفهم كثيرا في ألعاب الفيديو القديمة ولا ألعاب الهواتف الذكية الحالية فسألتهم عنها. انزعج أحدهم من تطفلي وقال: لودو !

كان ذلك في أسابيع الحراك الأولى، عندما كان بوتفليقة باقيا كرئيس وعندما كانت المظاهرات تصل إلى الأعالي، وعندما كان الناس واقعين بين الانبهار وعدم التصديق، وعندما كانت رحلات باريس-الجزائر كل ليلة خميس تسجّل اكتظاظا غير مسبوق، وعندما كانت الطرقات حول العاصمة مفتوحة وعندما كان « الأخ الأكبر » لم يُحدّد موقفه من « الحراك ».

نحن أيضًا كُنا نلعب، البلد كلها كانت تلعب وتُقامر على الحاضر والمستقبل. الكل كان لاعب نردٍ، نردُ الزهر ذي الوجوه الستة، مثلما يلعبه روّاد المقاهي والبارات ومثلما يكتبُ عنه الشعراء. كان ذلك قبل أن يتنحى بوتفليقة ويخرج علينا « الأخ الأكبر » من الماضي حاملا مشاكل وحلول تفرِقة من الماضي أيضا.

عودةً إلى الأولاد… جلستُ رغم انزعاج المراهق مع المجموعة الصغيرة وتابعتُ اللعب. كانوا يلعبون النّرد ! شاشة الهاتف هي طاولة لعب ملوّنة رقمية، شاشة مساحتها 6 سم X 16 سم يرمي عليها الأولاد نَردهم. اللعبة اسمها « لودو » أو « لودو كلاسيك »، وهي من ألعاب الطاولة اشتهرت في أمريكا ولكن أصولها تعود إلى الهند.

مع طول عُمر الحراك، التقيت أكثر من مرّة بجماعات مختلفة من الأولاد تلعبُ اللودو، دائمًا في نفس الوضعية: يحتلون منتصف شارع ما وينفصلون عمّا يُحيط بهم. وجدتُ الأمر ممتعًا، تخرج للتظاهر ضد النظام الفاسد ثم تحتلّ الطريق باللعب… ترمي نَردَك.

اليوم، ونحن على أعتاب الجمعة 21، وبعد الجمعة التاريخية لذكرى عيد الاستقلال، وبعد خطاب قيادة الأركان التي لازالت تُخبرنا عمّا يُزعجها في الحراك والشعارات والألوان، دخلتُ مقهى مع صديق لتُطالعني ورقةٌ مُلوّنة عُلّقت على الحائط، مرسوم عليها طاولة اللودو الملوّنة وفوقها شريطٌ أحمر وكلمة « ممنوع ». شرح لي صديقي أن أصحاب المقاهي صاروا يطردون لاعبي اللودو لأنهم يحتلّون الطاولات ولا يستهلكون كثيرا المشروبات، ثم منعوا اللعبة.

تذكّرتُ الأولاد الذين طردتهم المقاهي وطردتهم أحياءهم كلّما سهروا يلعبون اللودو تحت النوافذ والبلكونات، وقرّروا احتلال شارع الحراك لكي يُجرّبوا –هم أيضا- حظّهم. هل سيصل منع اللودو يوما ما إلى جهات عُليا؟ هل سيتجاوز المنع أصحاب المقاهي الجشعين ويُعمّم على كل الولايات؟ هل سيصير لاعبو طاولة اللودو الملوّنة مشبوهين وخونة وأعداء للأمة والشعب؟ هل ستعتبر لعبة اللودو تعطيلا للسير والمصالح والعِباد؟ هل سنُمنع -جميعنا- من رمية النرد؟