الحراك، عباسي مدني، أمي وأنا

اليوم مات عباسي. أو ربما أمس، لا أدري. تلقّيتُ إشعارًا على هاتفي: « عباسي مات. الجنازة غدا. مشاعر مختلطة ». هذا لا يعني شيئا. ربما كان ذلك البارحة.
نعم. هذا لم يعد يعني شيئًا. لا يؤثر في. لا يترك أي أثر. الموت لم يعد يعني لي شيئًا منذ توفيت والدتي.

والدتي لم تحب عباسي مدني أبدا. كانت تحقد عليه لأنه وصفها بـ « أذناب الاستعمار »، هي التي ضحّت بحياتها كي تحارب الاستعمار.

أنا أيضا لم أحب عباسي: أولا لأنه جرح والدتي، وهذا طبعًا لا يُغتفر. ثم، خطابه السياسي لم يعجبني: كان عندي 18 سنة في 1988، الحراك الأول يعني، والأقل سلمية من الحالي، وهذا الأمر فتح لي آفاق الأمل ولكن خطاب عباسي –وخاصة مناصريه: صحابي، ولاد عمي، جيراني- كان يقفا عليّ في حدود جسدية وإيديولوجية لم يكن عقلي النقدي المتفجر بالهرمونات يتقبّلها.

كنت أذهب مع أصدقائي لأستمع إليهم، هو وعلي بلحاج، في جامع بن باديس، لأني كنت أسكن غير بعيد عن المكان، ولكن أيضا لأني كنت فضوليا لرؤية وسماع نجما الروك الأشهر. كنت أريد حضور هذا المهرجان المسعور. لكن عمري ما حبّيتهم، لأني والدتي ما تحبهمش، ولكن أيضا لأني كنت مغرمًا بفتاةٍ يمنعني خطاب الفيس من المُضي قُدُمًا في مشاريعي الشغوفة والجسدية.

بعد وقفتنا تلك، كنت أنزل مع أصدقائي نحو حسين داي؛ وكنت أتدبر الأمر دائمًا كي نمر جميعنا أمام منزل محبوبة قلبي متمنّيًا أن أجدها في نافذتها. « عشّاق الطاقة ما يتلاقي » يقول لي أصدقائي ملخّصين خطاب علي وعباسي. كنا نحكي بكلماتنا، كلمات شباب في اللّيسي. كنت أرى أن علي بلحاج عنده حُظوة ونجاح أكبر من عباسي. وأنه خطابه كان أكثر عنفًا، وأكثر خطورة، أكثر مباشراتية، ولم أكن أحبه. كان عندي 18 سنة وحسّيت أنه في مخاطرة كبيرة. نافذة محبوبة قلبي عمرها ما تفتحت. وكنت أحقد على عباسي، لأنه جرح أمي، لكن أيضًا لأن فتاواه السياسية كانت تبرر للخطاب الملتهب لعلي بلحاج.

ثم، عندما تهاوى كل شيء نحو المجهول، كنت في الجامعة. بيطون بلا روح في مدينة جديدة ميتة. ميتة مثل حبي الضائع بين درقانة ومدرسة البيطرة في بوراوي (حي الحراش، وليس المناضلة أميرة).

وفي راسي، الأمر مرّ بسرعة. السنين فاتت بإيقاع مهبول، الأموات أيضا. بالآلاف. مجهولين ولاّ معروفين، جيران، اقارب، إخوة، أخوات، أعمام. الجميع، لكن ليس أنا. ولا أمي. هي، كانت مازال تحقد على عباسي لأنه شتمها ولأنه أهانها بتلك الطريقة. كانت تحقد أيضا على آخرين لأنهم قتلوا بوضياف في عنابة ولأنهم اغتالوا أخاها، تحت داره. عمرها ما تعافات من هذا الأمر. حاجة فيها تكسرت. تشقفت.

أنا سلكت، وجدت الحب بفضل من ستصير زوجتي. لكني بقيت حاقد على علي وعباسي لأنهم لوّثوا أحلام الجزائري الشاب الذي كنته. حقدت على عباسي لأنه شتم أمي، فقط لأنها دافعت عن أفكارها الوطنية المختلفة عن أفكاره. ونحقد عليهم لأنهم دفعونا لذلك المكان الذي وصلنا إليه. لكن عمري لم يعد 18 سنة. لم أعد طفلا وكنت أحقد أيضا على الآخرين. أولئك الذين سمحوا بهذا الأمر، أولئك الذين استغلوا الفرصة كي يتجذروا ويستغنوا دائمًا أكثر، أولئك الذين نفخوا في جمر الخوف. حقدت عليهم لأنهم أفقدوا أمي ذاكرتها، حتى لو أني عندي شك أنها فعلتها عن عمد لأنها كانت قوية يمّا.

بعد ذلك اشتغلت في النشر، في الإذاعة الوطنية –ليس لوقت طويل- ثم في التلفزيون، ليس لوقت طويل أيضا. لأن أحدهم أطلق فتوى ضدي. لم يكن علي ولا عباسي، كان أخا آخر، ليس من الإخوان المسلمين، لكنه مضر وعنيف مثلهم. الأخ الزائد عن الحد. فتركت التلفزيون والعائلة والأصدقاء وحسين داي بل وتركت بلدي. في ذلك اليوم، وعلى السجاد المتحرك لمطار فرانكفورت، فهمنا زوجتي وأنا، بأن حياتها ستتغير للأبد. وأنه علينا بعثُ أنفسنا من جديد. ذلك الأخ قلب حياتي رأسا على عقب. حولها عن مجراها للأبد. حقدت عليه. حتى الموت. وذات يوم، توفيت والدتي. بكيت حتى لم يعد الأمر يعني لي شيئا اليوم. كرهت حياتي، كرهت المنفى تاعي، البحيرات الكبيرة وناطحات السحاب. تمنيت لهم الموت، تمنيت لهم نهاية مأساوية. مريعة.

وذات يوم، واحد الشعب اللي كنا نتصوروه مات، رجع للحياة وبطريقة عظيمة، ومعاه ناضت آمالي ودموعي اللي كنت ظنيتها نشفت. قدر الجزائر كان يتغيّر للأبد. مرة أخرى. قدري الخاص لم تعد له أهمية. الثورة رجعت النهر المُحوّل لمجراه الأصلي. اليوم عباسي مات. أو ربما أمس، لا أدري. موته ليس حدثا عاديا. عندها معنى. هذا الرجل كان مهم. غيّر الجزائر، غيّر « عاداتنا »، غيّر أقدارنا… ليس هذا فقط. وليس هو فقط. هو راح ونحن ترسّب عندنا هذا الشعور الغريب بأنه هرب من شيء ما. كأنه لم يشرح، لم يعتذر، كأنه حشاهالنا، والآخرون أيضا. أولئك الذين يتحملون مسؤولية تغيير حياتي، وحرماني من حضور جنازة أمي مع أهلي. كم عددهم؟ من هم؟ لم أكتب قائمة مثلما فعلت آريا في « لعبة العروش ». كان عليّ أن أفعل، أدري. لكني لم أفعل، وألوم نفسي قليلا. جعلني هذا أكتئب قليلا، ثم تذكرت ثورة 22 فيفري. تذكرت أيضا عباسي الذي توفي عن عمر 88 سنة. شركاؤه في الجريمة من عصر آخر مثله تماما. وموته اليوم، أو ربما البارحة، يأخذه معناه كاملا. هذا لا يُضعِفُ الحراك، بل بالعكس: يمنحه بُعدًا إضافيا. عباسي لم يمثُل أمام قضاء بلده (حتى لو دخل بضع سنوات للسجن؟) شركاؤه أيضا لن يمثلوا؟ لا يهم ! ليحملهم الريح بعيدًا.. جميعهم ! أولئك الذين هربوا من عدالة بلدانهم لن يهربوا أبدا من محاكمة التاريخ.

عباسي مات اليوم. غدا، سيكون دور شخص آخر. اليوم والدتي حيّة. جزائرها أيضا. عندها كل الحياة قدامها. ما عندهاش 88 سنة. عندها عشرين سنة فقط. عمر كل الآمال. عمر كل الأحلام.

ترجمة صلاح باديس