الجمعة 18: في السوق السوداء للراية الأمازيغية

« جاؤوا على السابعة صباحا، أنا لا أسكن هنا في وسط العاصمة بل في دار البيضاء، طلبوا مني ألا آخذ معي أي راية غير علم الجزائر… » يقول لي بائع الأعلام في وسط الجزائر مع منتصف النهار من يوم الجمعة 21 جوان، « كانوا شرطة بالزي المدني، طبعا قلت لهم حاضر… » يسكتُ قليلًا ثم يهمسُ لي: « بصّح لو كان تحب تشري واحد نجيب لك! »

السيرُ في شوارع العاصمة، خلال صبيحة الجمعة 18 من الحراك الشعبي الجزائري، يُشبه السير وسط مدينة محاصرة. مئات الناس يحاولون التجمّع أمام حاجز الشرطة في ساحة البريد المركزي، بينما تهاجم هذه الأخيرة كل من يحمل الراية الأمازيغية وتعتقل منهم أكثر من واحد… والفلسطينية، تنفيذًا لأوامر قيادة الأركان التي أعطت تعليمات صارمة بخصوص حمل أي راية غير الراية الجزائرية.

يهمس الناس لبعضهم: « وين راه علامك؟ »، بينما لم ينتظر آخرون هذه المُزحة وأخرجوا علمهم، ليتم إيقافهم مباشرة أو بعد دقائق. الحالة مُكهربة. أسيرُ على طول شارع ديدوش مراد وحتى البريد المركزي، لأجِدَ كل 50 مترًا تجمّعات بشرية حول أشخاص يتجادلون حول موضوع الراية؛ وفي ساحة أودان كان هنالك شبه عراكٍ فرّقه الناس تحت صيحات « سلمية… سلمية. »

التقيتُ صديقا يحمل الراية الأمازيغية داخل ثلاثة أكياس، اشتراها من بائع حجزت الشرطة على 260 راية أمازيغية وفلسطينية عشية الجمعة، لكنه « أنقذ » بعض الرايات ليبيعها بـ 500 دج. صديقي قال أنه لن يُخرج رايته قبل خروج المصلّين، لا يريد المخاطرة أمام رجال الشرطة الذي يجولون في الشوارع، « الأمر لا يحتاج المخاطرة الآن… سيخرج الجميع براياتهم ويكسرون الحظر. » كان متأكدًا.

الجميع كان متأكدا من أن « السلمية » ستهزم مرة أخرى حِيَل السلطة، لكن كيف؟ هذا هو السؤال  كل مرة، منذ أربعة أشهر -يومًا بيوم- ونحنُ نكتشف تفاعل جزئيات وعوامل كانت موجودة دائما أمام أعيننا، لكننا الآن فقط نكتشفُ -بشكل واسع وجماعي- كيف تعمل مع بعضها البعض.

بعد أن تجاوزت الساعة الواحدة بعد الظهر وجدت جماعة صغيرة ملتفة حول شيخ سبعيني يعرض رأيه بخصوص الراية الأمازيغية، كان يقول أنه لأول مرة لا يخاف الجزائريون من بعضهم البعض ويحملون راياتهم الثقافية تحت علمهم الوطني وبجانب أعلام القضايا الكونية التي تهمهم، ويضيف أنه من غير المسموح على أي كان رميُ ملايين الشباب في أحضان حركة الـ »ماك » مرة أخرى. كان يضم يديه لبعضهما ويُحذّر من تداعيات خطاب قايد صالح.

« هذا شعب يحب الزكارة… » أول جملة سمعتها بعد امتلاء شوارع العاصمة. الكل عدّل شعاراته لتتناسب مع الظرف، من أول « قصبة باب الواد إيمازيغن »، مرورا بـ « قبايلي عربي خاوة خاوة والقايد صالح مع الخونة »، وصولا إلى « شافونا صحينا… حبوا يفرقونا. » لكن المسألة ليست مسألة زكارة فقط، بقدر ما هي مسألة إصرار وثبات على موقف واضح من النظام وفلوله، وتذكير بأنه من خرجوا يوم 22 فيفري لن يتم تفريقهم مرة أخرى بقضية الهوية والعرق.

عادت الراية الأمازيغية إلى مكانها الطبيعي وسط المسيرات، تراجعت الشرطة أمام الأعداد الهائلة للمتظاهرين وتكرّر السيناريو للمرة الألف: المعاونة تغلب السبع.

هل ستفهم قيادة الأركان يوما ما، ومن سيأتي لاحقا لتسيير البلاد، أن الجزائريين اليوم راكموا تجارب ومخاوف عمرها 57 سنة؟ هل سيفهم من سيحكم هذه البلاد أن فكرة التضامن حاضرة بقوة حضور العزلة الاجتماعية والسياسية التي فرضوها علينا طيلة عقود؟ تلك العزلة التي جعلتنا في أكثر من مناسبة لا نتضامن مع بعضنا البعض خوفا من النتيجة.

 في أكثر من 20 ولاية في الجزائر، رفع المتظاهرون راية كانت منذ أقل من عشرين سنة تُعتبر -عن سوء فهم وبتحريك من « الجهات الخفية- رمزًا للانفصال، تجاوز هذا الحراك أكثر من مسألة هوياتية وأمنية لم يساعد النظام سوى في تضخيمها وجعلها مشكلة؛ لكننا طبعا سنواصل سماع الخطابات الأبوية من نوع: ما فائدة التضامن إذا ما كان هذا الشعب « ماشي مربّي »، في محاولة ساذجة للربط بين النقاط الإيجابية في الحراك والسلوكات اليومية للأفراد والجماعات.

الجمعة 18، والتي جاءت تتويجا لأربعة أشهر من الحراك الشعبي، أكّدت على أننا مستعدون للمضي قُدُمًا في المطالبة بأبسط شروط الحياة والعدالة رغم أنه الحكاية طوّلت، ورغم تغير المناخ ورغم حِيَل النظام وأننا قادرون على تغيير وسائل الدفاع كلما تغيّر الهجوم، بل وقادرون على ارتجال سوق سوداء للرايات الممنوعة، تماما كما خلق هذا النظام آلاف الأسواق السوداء في هذه البلاد منذ نشأتها.