الجمعة 13: مرّة أخرى، الثورة السلمية تفوز بمعركة الصور

يبدو أن من يُسيّر أمور البلاد، سواء كان مدنيا أو عسكريا، قد نسي أن ملايين الجزائريين الذين فاضوا في الشوارع منذ 22 فيفري وغيّروا ما غيّروا من أشخاص وموازين قوى في النظام، لم يجعلهم يثورون سوى الإمعان في إذلالهم بتنصيب رئيس شبه ميت وجعل الفساد قاعدة في البلاد، ولكن أيضا محاولة تمثيلهم –أي تمثيل « الشعب »- ببضعة مئات من المواطنين شُحِنوا لمباركة مشروع العصابة الحاكمة وقتها.

بعد أسابيع من الثورة السلمية والتصميم على رحيل النظام الفاسد ورموزه، ورفض انتخابات 4 جويلية، ورفض عقلية « الشيتة » وتنصيب الأصنام، عادت نفس الوجوه التي طبّلت لبوتفليقة كي تُطبّل لرئيس الأركان بوصفه « أبًا » ومُخلّصًا للجزائريين، وكأن هؤلاء لا فضلَ لهم في تنحيّة بوتفليقة وتغيير خارطة الأمور.

عشرات الأصوات، ومن خلفها الذباب الإلكتروني، تنادي منذ أزيد من شهر لإنهاء الحفلة-الثورة، وتشرح باستهزاء أن على ساندريلا العودة لبيتهم وترك رئيس الأركان –مختصرين المؤسسة العسكرية في شخصه- يقوم ببقية المهام عنّا. كأن الديمقراطية التي خرج الناس لأجلها تُمارس بالوكالة، كأن حُكم الشعب الذي أراده الجزائريون سيأتي من بيوتهم وخلف شاشاتهم.

منذ أسابيع، بل ومنذ تنحية بوتفليقة، والدرك والشرطة يغلقون الطرقات إلى العاصمة، وعانيتُ أنا شخصيا خلال كل الجمعات من حواجز أمنية اعتباطية ومُرتجلة الهدف منها تحويل نهر المركبات المتوجه إلى العاصمة، والتي تحمل آلاف المتظاهرين. الحواجز اضطرتني إلى تفادي الطريق السريع، الأمر الذي لم ينفع فعلا لأنهم نصّبوا حواجزهم في كل مكان. كل هذا لماذا؟ كي يجعلوا الرأي العام يُصدّق أن الجزائريين تخاذلوا وتكاسلوا عن النزول للمشاركة في المظاهرات، كل هذا كي يربحوا معركة الصور ويُضعِفوا كثافة الطوفان البشري الذي يشتمهم ويطالب برحليهم.

كيف يريد فلول النظام وأنصارهم أن يصدّق الجزائريون أحاديثهم ونظرياتهم وهم لم يُظهروا أي حسن نيّة في احترام حق التظاهر، دون الحديث عن الاعتقالات التي تطال الشباب المتظاهر ولا القضاء الذي لم نفهم بعد كيف يسير. كل ما يملكه الفلول هو تخويفنا من الأشباح، أشباح الخارج، تماما كما كانت تفعل أبواق دعاية نظام بوتفليقة قبل الـ 22 فيفري، وهي ذات الأبواق الإعلامية التي انقلبت لمساندة من بيده القوة اليوم.

منذ الأسابيع الأولى للثورة لامَت هذه الأبواق، وقطاعات واسعة من الجزائريين أولئك الذين يصعدون إلى قصر المرادية والأحياء العليا للعاصمة، و »يتسببون » في إشعال المواجهات مع الشرطة، ولكن لم يلُم أحد على الشرطة التي واصلت النزول والضغط على المسيرات حتى حصرتها في وسط العاصمة بين شارع ديدوش مراد والبريد المركزي، ثم لم تكتفي بهذا وضربت الشعب الأعزل في قلب نفق الكليات بالغاز. كل هذا والمتظاهرون سلميون يرفعون شعاراتهم ولافتاتهم ويصممون على مواصلة الضغط السلمي لتطهير مؤسسات الدولة ورحيل فلول النظام.

وفي الأسابيع الأخيرة صار الأمر مخيفا، حبالٌ من رجال الشرطة وعرباتهم المدجّجة وسيارة النمر السوداء المصنفة كسلاح حربي يُطلق صوتًا كاسحا يُفرّقُ المتظاهرين دون الحديث عن فوهات القنابل الخارجة من جسد المركبة.. كل هذا العتاد والرجال يحاولون السيطرة على شوارع مدينة الجزائر، والمتظاهرون محرومون من تعليق لافتة أو الاستحواذ على مكان معيّن.

اختراق حاجز بشري أو اصطناعي هو غريزة حيوانية موجودة داخل كل إنسان، وعندما حصرت الشرطة المتظاهرين قبل أسابيع في شوارع وميادين مفتوحة دون حواجز، وأغلقت عليهم النفق الجامعي، وجدت المسيرات نفسها تدور في حلقة مفرغة دون حاجز لتكسره ودون أماكن محرّمة لتقتحمها. لكن الشرطة جعلت من درج البريد المركزي في الأسابيع القليلة الأخيرة مكانا محرّما جديدا، وبلغ هذا الأمر ذروته هذه الجمعة عندما لم تكتف الشرطة بتطويق الدرج بطوق بشري بل أنزلت الشاحنات والسياج الحديدي وقاومت منذ الثامنة صباحا وحتى قرابة الرابعة مساء أمواج البشر والمتظاهرين، الذين أصرّوا وبكل سلمية –رغم أنهم ضُرِبوا بالغاز والعصي- على استرجاع الدرج وتحريره.

ما حدث اليوم في العاصمة بالتحديد وبقية مدن البلاد عموما، في الجمعة رقم 13، منذ بداية الثورة، ورقم 2 منذ بداية شهر رمضان، يؤكد أن الجزائريين لم ينسوا لماذا خرجوا قبل ثلاثة أشهر، عكس النظام. فحملات الشهير واختصار آمال الملايين في أشخاص معينين يعادون النظام، سواء من وجوه النظام القديم أو من المعارضين الذي يعيشون في الخارج، كل هذا لم يعد ينطلي على أذهان شعب أغلبيته تحت سن الثلاثين ويتعامل يوميا بلغة ووسائل لا تفهمها الطبقة التي تجاوزت الثمانين وباقية لا تزال فوق العرش.

هذه الجمعة جاءت لتؤكد الجمعة السابقة لها، أول جمعة رمضانية، والتي عرفت تصميمًا ووحدة في الشعارات الرافضة للدولة العسكرية، « دولة مدنية ماشي عسكرية » و « جمهورية ماشي كازرنة ». صحيح أن الجزائر لم تعرف الديمقراطية ولا التداول في الحكم منذ استقلالها، لكن الجزائريين تذكروا دائما أنهم يعيشون في جمهورية، لم تكن يومًا مملكة ولا يريدونها أن تصير ثكنة كبيرة، لا يريدون الهروب من سجن بوتفليقة بضجره وانغلاقه وعزلته عن العالم ليدخلوا ثكنة.