الجمعة السادسة من الحراك: لا تُطلق النار على سيارة إسعاف

تغطيةُ مسيرات الحراك الشعبي في العاصمة الجزائر، منذ ستة أسابيع، تصحبها مشاعر غريبة ومتناقضة. طبعًا هنالك الأعداد الهائلة التي اخترقت منذ 22 فيفري حظر المظاهرات والتجمع في المسيرة، لكن الأعداد والألوان ليست مصدرًا لهذه المشاعر.

الطبيعة المركزية للنظام والجغرافيا في الجزائر، وتركّز كل السلطات في منصب الرئاسة، يجعلكُ تشعر أنك تقف في الصف الأول أمام « العدو »، وخلفك بلادٌ كاملة، 47 ولاية يتظاهر الناس دون مشاكل ولا مواجهات… بل ودون شرطة في بعض الولايات.

كأن العاصمة هي العتبة الأولى (أو ربما الأخيرة) التي على الجميع اجتيازها للوصول إلى هدف ما. حاولتُ طيلة الأسابيع الماضية، وبعد كل مظاهرة ومسيرة، سواء بالجمعة أو خلال الأسبوع، رصد وتتبّع الجموع والأفراد على السواء. في البداية، وككل المتتابعين، أذهلني العدد الكبير للجزائريين الذين خرجوا، ثم اهتممتُ بأبعاد أخرى كسلمية المسيرات والتنظيم الذي انتشر أفقيًا، سواء في القطاعات المهنية والطلابية، أو وسط المسيرات نفسها (المسعفون، المنظفون، لجان الأحياء…) أو ما سمّاه زميل صحفي بالأيادي الصغيرة لثورةٍ كبيرة.

لكن دائمًا هنالك شعورٌ بالنقصان أو القلق يترسّب مع نهاية كل جمعة. أحاولُ أن أكتب عن المواجهات بين المتظاهرين ورجال الشرطة في الأحياء العلوية للمدينة، فتصلني تعليقات وآراء لا يُعجبها أن نتحدّث عن « أحداث مؤسفة وهامشية » وسط مسيرات مليونية « أدهشت العالم كلّه ». أحاول أن أنبّه إلى أنّ الشرطة ما عادت تنتظر المتظاهرين في حي المرادية، بل نزلت حتى سيطرت على حي تيليملي كلّه وصارت تدفع وتضغط للأسفل، فألقى أجوبةً مثل: واش طلعهم حتى هوما؟ يقعدو يديرو المسيرة لتحت.

هذا « لتحت » الذي هو وسط المدينة: البريد المركزي – ساحة أودان – شارع ديدوش مراد – حسيبة بن بوعلي، ما عاد آمنًا أيضًا بعد أن ضربت الشرطة اليوم الجمعة 29 مارس 2019 المتظاهرين الخارجين من النفق الجامعي بالمياه.

لكن مع الجمعة السادسة وجدتُ نفسي، مرّة أخرى، وسط المواجهات بين الشرطة والمتظاهرين، ورأيتُ الشرطة تتقدّم مثل جيشٍ روماني أزرق أمام عشرات الشباب الذين هرب أغلبهم فيما حاول بعضهم الردّ على الغاز والمياه الساخنة بالأحجار. كُنت مع الهاربين، اختبأتُ داخل عمارة وتقاسمتُ زجاجة الخل التي حملها شباب الإسعافات الأوليّة مع عشرة أشخاص. بقينا لبضعة دقائق ثم خرجنا لنجد الشرطة قد أخلَت الشارع تقريبًا، وهنا لفت نظري شبابٌ من المتظاهرين يتقدّمون نحو الشرطة وهم يرفعون أياديهم غير مهتّمين بالحجارة التي تُقذف من ورائهم، ولا بقنابل الغاز أمامهم، كانوا يحاولون تهدئة الأوضاع وإيقاف الضرب. شيءٌ مُذهل ومرعب في نفس الوقت أن ترى شابًا أعزَل يقفُ في وجه عشرات رجال الشرطة المسلّحين، ومن ورائهم الشاحنات والسيارات، ويُحاول أن يهدّئهم ويُعطيهم الأمان. كثيرون أصيبوا بهذه الطريقة، يفتحون صدرهم ويكشفون وجههم ويرفعون أيديهم ثم تأتي رصاصة مطاطية من مكان ما.

هذه الصورة التي رأيتها أكثر من مرّة، أتذكّرها الآن وأنا أرى ما حدث لمجموعات مناضلات نسوية في هذه الجمعة السادسة. بعضهن مُنِعنَ بالعنف من مواصلة تعليق ملصقات تدعو لتغيير قانون الأسرة، وبعضهن تعرّضن للتحرّش ومزَّق مُتظاهرٌ إحدى لافتات المجموعة؛ وكل هذا بدعوى: لا يجب تفريق المسيرة ورفع مطالب فئوية وسط مظاهرة تريد تغيير النظام.

ما العلاقة بين الذين يواجهون الشرطة والنسويات؟ الاثنان يُحاكمان من طرف المجتمع بعبارة: واش أدّاك؟ علاش تروح للبلاء برجليك؟ أو العبارة الأخرى: تفادى الاستفزاز، لا تقترب من رجال الشرطة، لا تضعي ملصقات مستفزّة في الشارع.

ثم طبعا هنالك مسألة « لا يجب تشتيت الحراك وتقسيمه »، « على الجميع توحيد المطالب ثم عندما ننجح في تأسيس دولة القانون، سنُحقّق للجميع مطالبهم الفئوية ». هل هذا صحيح؟ طبعا لا. لا معنى لثورة لا تخلق مفهومًا جديدًا لعنف الدولة ضد المواطن، ولا تخلق روابط قوّة جديدة للمرأة في الفضاء العام وفي الدستور. ويمكننا أخذ الدروس من ثورة التحرير، التي كان رمزها العالمي هو امرأة، من جميلة بوحيرد لجميلة بوباشا، ولكن بعد الاستقلال عادت النساء للبيوت واهتمّ الرجال بالانقلاب على بعضهم البعض وتأسيس القوانين والدولة، الدولة التي لم تدعُ المرأة للمشاركة فعليا في بناء الدولة واكتفت بشعارات التعليم والعمل بزاف عليك.

الشعب بطل وحيد وليس هو الوحيد، أي أنّه وحيدٌ ضد السلطة ومحتكري العنف، أما كونه البطل الوحيد ولا حق للأفراد أو الجماعات الأصغر في البطولة، فهذا تضليلٌ ومسحٌ لنضالات الأفراد.

النسويات والشباب الذين يحاولون كل مرّة كسر الحواجز الزرقاء للتقدّم أكثر بالحراك والمسعفون والشباب الذين ينظفون وسط المظاهرات أو ينظّمون السير فيها أو يوزّعون الأكل والشُرب على المتظاهرين ومعطوبي الجيش وعائلات المفقودين في الحرب الأهلية والعديد من الجماعات الأخرى، كل هذه الجماعات التي جعلتنا نقتنع أن مشكلة النظام عميقة ومسّت كل الأطياف والمجالات، كل هؤلاء والعديد من الأفراد الذين خرجوا إلى الشارع حاملين قصصهم وخصوصياتهم وتواريخهم وأسبابهم ضد النظام وأملًا في جزائر أفضل وأعدَل، جميعهم سيارات إسعاف تُحاول إنقاذ شيءٍ ما… فلا تُطلقوا النار على سيارات الإسعاف.