الجانب الدولي غير المعروف من جوانب حرب الجزائر: نظرة إسرائيل إلى الصراع وضلوعها فيه

عشق وغرام بين فرنسا وإسرائيل في مطلع الخمسينات

منذ مطلع الخمسينات، بدأ التعاون بين فرنسا وإسرائيل بشكل وثيق ثم تطور تطورا » سريعا » ليصبح تحالفا » عسكريا » وسياسيا » بكل معنى الكلمة.

على الصعيد العسكري، ازداد حجم كميات الأسلحة الثقيلة من جميع الأنواع (طائرات، دبابات أ م أكس 13، مروحيات، مدافع، …) التي سلمتها فرنسا إلى الدولة العبرية بحيث أصبح قوام سلاحها الأساسي كله فرنسي المصدر.

كما توطدت أصر التعاون واتخذت جانبا » ملموسا » على الأرض في زيادة الأبحاث المشتركة المتعلقة بالسلاح النووي وتشكيل لجنة تخطيط استراتيجي مشتركة لحماية مصالح الدولتين في البحر البيض المتوسط والبحر الأحمر. أما كبار الضباط الإسرائيليين فكانوا يتابعون دروسا » في المدرسة الحربية ودورات تدريبية في مراكز التدريب وكان المظليون في جيش الدفاع الإسرائيلي يستفيدون من خبرة نظرائهم الفرنسيين في حربهم في شبه الجزيرة الهندية الصينية. وأجرت الدولتان مناورات بحرية مشتركة ووضعتا برامج جوية مشتركة وتم التعاون على وجه الخصوص بين جهازي المخابرات التابع لكل منهما بشكل وثيق وبالتحديد في الجزائر كما سنرى لاحقا » …

وهكذا نجحت إسرائيل بفضل هذا التحالف في الخروج من عزلتها على الصعيدين العسكري والديبلوماسي وفي الحصول على ترسانة عسكرية لا يستهان بها بالنسبة إلى ذاك الزمان.

أما فرنسا التي كانت تشارك في مهمة اعتبرها الكثير في وقتها أخلاقية فقد وجدت سوقا » جديدة لصادراتها من الأسلحة وأمنت على وجه التحديد الحفاظ على توازن القوى في مواجهتها للقوميين العرب في القاهرة …

بالإضافة إلى ذلك، ساهمت الانتفاضة الجزائرية في تسريع هذا التقارب مع الإسرائيليين. والسبب أن فرنسا منذ العام 1954 وجدت نفسها في مواجهة مع جبهة التحرير الوطني وهي حركة استقلالية جزائرية كان جمال عبد الناصر والجامعة العربية يدعمونها أشد الدعم.

وتبعا » للقول المأثور « عدو صديقي هو عدوي » تعاونت فرنسا وإسرائيل ضد الزعيم المصري وضد تأثيره على العالم العربي وبطبيعة الحال على الجزائر. ومن أزمة قناة السويس حيث تلاقت مصالح الدولتين الاستراتيجية مما دفع بهما إلى التحرك سويا » ضد عبد الناصر في العام 1956 مرورا » بتبادل المعلومات المهمة والقيمة المتعلقة بنشاطات الاستقلاليين الجزائريين السرية وصل التعاون بين فرنسا وإسرائيل إلى مستويات لا سابق لها في تاريخ العلاقات الدولية.

الموساد ضد جبهة التحرير الوطني

وهكذا عقد المسؤولون في جهازي المخابرات اجتماعات دورية أتاحت لهما تبادل المعلومات البالغة الأهمية والحساسة وخصوصا » فيما يتعلق بموضوع دعم مصر للوطنيين الجزائريين1.

بالإضافة إلى ذلك، تعاونت الدولتان تعاونا » وثيقا » في ملفات سرية تتعلق بتنفيذ عمليات تدميرية مشتركة مثل أعمال التخريب وغيرها من العمليات الخاصة غير المتعارف عليها2.

نلاحظ إذا » أن فرنسا والدولة العبرية لم تتحالفا على صعيد السياسات الخارجية وحسب بل وتعاونتا أوثق التعاون في مجال المخابرات فكانت إسرائيل تلعب دورا » مباشرا » وكبيرا » في الصراع ضد جبهة التحرير الوطني الجزائرية في الخارج طبعا » (ضلوع المخابرات الإسرائيلية المذكور في مسلسل أحداث السفينة أتوس وحتى في اختطاف بن بلا3)وفي الداخل أيضا » على أرض المستعمرة الفرنسية ذاتها وهذا ما لا يعرفه الكثيرون حتى الآن.

على صعيد آخر، تشير كل الشهادات إلى التناغم الحقيقي والكامل بين الموساد الإسرائيلي وجهاز المخابرات السرية الفرنسية بالإضافة إلى أجهزة مكافحة الإرهاب التابع لجهاز المخابرات العامة والأمن الداخلي الفرنسي. فمثلا » وعلى الرغم من أن ملفات الأرشيف الخاص بجهاز المخابرات العامة المسؤول عن الأقاليم الجزائرية في ذلك الوقت تعلمنا أن الجالية الإسرائيلية كبيرة وتخضع بالطبع لمراقبة السلطات الفرنسية فان أفرادها كانوا يتمتعون على ما يبدو بحرية تنقل مطلقة4 . لذا كانوا يجمعون الكثير من المعلومات الهامة وهم الحاضرون بقوة على الأرض حول نشاطات الوطنيين الجزائريين ثم ينقلونها إلى السلطات الفرنسية لتستفيد منها أقصى استفادة. وكانوا يقومون بعملهم هذا بفضل حجم الجالية اليهودية المهم والكثير من أفرادها المستعربين الذين كانوا أحيانا » قريبين جدا » من المجتمع الإسلامي.

والجدير بالذكر ما يؤكده هنري جاكين وكان ضابطا » في المخابرات الفرنسية أن المعلومات التيجمعتها المخابرات الإسرائيلية ضمن المجتمع اليهودي الكبير المنتشر في شمال أفريقيا لتنقلها إلى الفرنسيين كانتفي أغلب الأوقات « طازجة » أكثر من معلومات المخابرات الفرنسية5.

اشتهرت المخابرات الإسرائيلية أيضا » بتدريبها وإدارتها للميليشيات اليهودية للدفاع عن النفس وكانت أحيانا » تصل إلى توجيه الضربات من خلال الاشتراك مباشرة في عمليات مكافحة الإرهاب.

هذا ما كشفته معلومة ذكرها بالتفصيل اثنان من كبار الأساتذة الجامعيين، الفرنسي بنجامين ستورا6 والإسرائيلي ميكاييل لاسكييه7 ، بتاريخ 25 مارس 2005 في مقال عنوانه  » كيف عمد الموساد إلى تسليح يهود القسطنطينية في العام 1956 » في جريدة معاريف الإسرائيلية8.

وقد كشف عميل الموساد السابق، أبراهام بار زيلاي، الذي خدم في الجزائر في العام 1956، تفاصيل عملية للمخابرات الإسرائيلية هدفها تدريب وتسليح مجموعات مؤلفة من شبان يهود من القسطنطينية لمحاربة جبهة التحرير الوطني وبالتحديد عملية قمع نفذها بأمر منه رجال من خليته إثر اعتداء حصل في القسطنطينية في 12 مايو 1956.

وعلى سبيل التذكير، فان الجالية اليهودية في الجزائر والتي كانت في حينها أكبر الجاليات اليهودية عددا » في العالم العربي والإسلامي (130 ألفا » تقريبا ») عريقة في القدم وموجودة على أرض الجزائر قبل الغزو الفرنسي بكثير. وبعد أن أصبحوا مواطنين فرنسيين يتمتعون بكامل الحقوق منذ صدور قرار كريميو في العام 1870 أخذ يهود الجزائر ينسبون أنفسهم أكثر فأكثر إلى فرنسا9 القارية على الرغم من عودتهم الاضطرارية والمخزية إلى تصنيفهم كسكان أصليين خلال الحرب العالمية الثانية ونظام حكومة فيشي.

يمكننا القول إذا » إن غداة اندلاع حرب الجزائر كان يهود الجزائر قد أصبحوا مواطنين فرنسيين منذ أربعة أجيال. وحتى لو كان الكثير منهم ينتخبون لصالح اليسار فان الغالبية منهم كانت تؤيد بوضوح الجزائر الفرنسية. وقد دفعوا غاليا » ثمن هذا الموقف إذ اغتالت جبهة التحرير الوطني العديد من أفراد الجالية من الأعيان إلى الحلاق البسيط مثل الشيخ ريموند وهو من الشخصيات الأكثر رمزية، واسمه الحقيقي ريموند ليريس (والد زوجة أنريكو ماسيا) الذي اغتالته جبهة التحرير الوطني برصاصة في العنق وسط الحي اليهودي في مدينة القسطنطينية. كان الرجل موسيقيا » متخصصا » في الموسيقى العربية والأندلسية وعازف عود من الطراز الأول يجمع حوله كل الطوائف ويحبه ويحترمه اليهود كما المسلمون الذين أطلقوا عليه لقب  » الشيخ ريموند » تعبيرا » عن تقديرهم له.

بعد التحولات في سياسة الجنرال ديغول تجاه الجزائر، أيد الكثيرون نشاطات منظمة الجيش السري (OAS) وهي منظمة سياسية وعسكرية أسسها عسكريون وأوروبيون جزائريون في مطلع العام 1961 لتواجه بالإرهاب والقوة « سياسة التخلي » عن الجزائر التي اعتمدتها حكومة ديغول.

لذا  » ازداد عدد اليهود شيئا » فشيئا » في صفوف منظمة الجيش السري تدفعهم مشاعر الضغينة والغضب تجاه فرنسا10« .

وقد لخص جاك سوستال هذه الظاهرة خير تلخيص وهو من اللاعبين الأساسيين في تلك الفترة إذ كان أستاذا » جامعيا » ومتخصصا »مشهورا » في علم الأجناس ومناصرا » للجنرال ديغول من البداية وحاكما » عاما » على الجزائر من العام 1955 إلى العام 1956 ووزيرا » في حكومة الجنرال ديغول، وقد قدم استقالته بالمناسبة من منصبه الوزاري بسبب خلافه مع رئيس الدولة حول موضوع الجزائر. فالتحق بمنظمة الجيش السري وبدأ العمل في الخفاء. ولكن فيما يتعلق بيهود الجزائر يشير سوستال إلى أن  » اليهود في الجزائر وعددهم 130 ألفا » من أصل مليون من غير المسلمين كانت نزعتهم يساريةدائما » وكانوا ينتخبون اليسار المتطرف وخصوصا » الاشتراكيين كما في الجزائر العاصمة كذلك في وهران. إلا أن العداء للسامية الجنوني الذي حملت لواءه العصبة الداعية إلى الوحدة العربية في جبهة التحرير الوطني والتي انضم اليها الناجون من بقايا نظام هتلر المتحلقون حول عبد الناصر أجبر هذه الجالية الإسرائيلية على تنظيم وسائل الدفاع عن النفسمستلهمين أسلوب عمل المنظمة العسكرية القومية في إسرائيل ودفعها إلى توفير الكوادر والمحاربين الكبار لمنظمة الجيش السري11 . »

 

إسرائيل والجزائر وديغول …

بالنسبة إلى الإسرائيليين والى المدافعين عن « الجزائر الفرنسية » شكلت عودة الجنرال ديغول بارقة أمل. إذ يجب ألا ننسى أن ديغول تمت دعوته للعودةإلى السلطة في العام 1958 على أثر وقوع الأزمة السياسية الناتجة بشكل أساسي عن أحداث الجزائر وبالأخص بعد حصول الانقلاب العسكري في الجزائر العاصمة بتاريخ 13 مايو 1958.

في بداية الأمر، كان ديغول يمثل البطل والرجل القوي الذي طال انتظاره والوحيد القادر على ضمان خاتمة سعيدة لأربع سنوات من الصراع عن طريق الحفاظ على الوجود الفرنسي في الجزائر وإنهاء النزعة القومية الجزائرية تماما ».

ولكن منذ العام 1959 اختار ديغول إعطاء حق تقرير المصير للجزائر. مما شكل بالنسبة إلى الأوروبيين الجزائريين والى قسم كبير من العسكريين الذين جاؤوا بديغول إلى الحكم خيانة حقيقية. وهكذا انطلقت شرارة ما يشبه الحرب الأهلية بين مناصري « الجزائر الفرنسية » وبين « المتخليين ».

أما بالنسبة إلى الإسرائيليين فان التحولات الجذرية التي قام بها رئيس الدولة الفرنسية لم تكن تبشر بالخير إطلاقا ». كان المسؤولون الإسرائيليون يعون تمام الوعي أن تخلي فرنسا عن الجزائر سيحدث تحولا » جذريا » في سياسة فرنسا في البحر المتوسط وفي الشرق الأدنى وخصوصا » تجاه الدولة العبرية. وهذا ما تمناه على كل حال موريس كوف دو مورفيل، وزير الخارجية وكبير مستشاري الجنرال في الملف الجزائري والمناهض العنيد لقيام « الجزائر الفرنسية » والمعروف بعدم صداقته لإسرائيل.فبالنسبة له، تشكل نهاية الحرب في الجزائر وانسحاب فرنسا من شمال أفريقيا نقطة انطلاق لإعادة اعتماد  » السياسة العربية » الخاصة بفرنسا ولو على حساب علاقاتها مع الدولة العبرية.

في مواجهة اعتداءات جبهة التحرير الوطني ومنظمة الجيش السري وأمام تلك الحرب بين الفرنسيين الحاصلة ضمن الحرب، كان بعض المسؤولين السياسيين يدركون أن خيار الجنرال ديغول لا عودة عنه ويرغبون في تجنيب الأوروبيين الجزائريين الذين أصبحوا يعرفون بتسمية « الأقدام السوداء » والمسلمين الناطقين باللغة الفرنسية الكثير من المآسي في حال حصول الجزائر على الاستقلال، لذا أخذوا يبحثون عن سبيل آخر، عن حل مختلف غير الجزائر الفرنسية أو الجزائر الجزائرية. وقد وجدوا ذلك في خيار التقسيم « على الطريقة الإسرائيلية » أي قيام  » إسرائيل الأقدام السوداء » أو كما قال الجنرال ديغول نفسه  » إسرائيل الفرنسية ».

وقد تولى ألان بيريفيت بالتحديد دراسة هذا الحل بجدية كبيرة والتنظير فيه وهو كان وقتئذ سكرتير دولة للشؤون الإعلامية في ريعان الشباب ومن المقربين من الجنرال ديغول الذي طلب منه دراسة الموضوع. وفي العام 1961 كتب تقريرا » أصبح فيما بعد مقالة بعنوان هل يجب تقسيم الجزائر؟

يمكن تلخيص المخطط كما يلي: يتم تجميع الفرنسيين من أصل فرنسي وجميع المسلمين الذين التزموا الجانب الفرنسي بين الجزائر العاصمة ومدينة وهران.  ثم يتم نقل كل المسلمين الراغبين في العيش تحت حكم جبهة التحرير الوطني إلى باقي الأراضي في الجزائر. وتحتفظ فرنسا لنفسها ببوابة دخول حرة إلى الصحراء التي تصبح منطقة مستقلة عن المنطقتين السابقتين.

وأخيرا » يتم تقسيم الجزائر العاصمة مثلها مثل برلين أو القدس: من جهة القصبة ومن جهة أخرى حي باب الواد وفي الوسط خط التماس. أما إسرائيل فوجدت هذا الحل المقترح مغريا » للغاية. ففي واقع الأمر، إن الدولة العبرية التي فاجأها تحول الجنرال ديغول في الملف الجزائري وخيب أملها بل وشكل مصدر قلق لها كانت ترى في أي تقسيم استمرارية الاستراتيجية الفرنسية في بلاد المغرب العربي. وكان من شأن هذه الدولة الشبيهة بروديسيا إنما على الطريقة الفرنسية أن تحافظ على الوجود الأوروبي في قلب بلاد المغرب العدائية وتجبر فرنسا على التخلي عن مشاريعها المتعلقة بسياسة عربية جديدة. وعلى أرض الواقع يبقى التحالف التقليدي العسكري والتعاون المثمر مع الدولة العبرية يضاف اليهما التزود من موارد النفط والغاز التي لا يستهان بها …

وقد قام دافيد بن غوريون شخصيا » خلال احدى زياراته لباريس بتقديم النصيحة للجنرال ديغول وبمحاولة التأثير عليه لاعتماد خيار التقسيم. وقد كشف ذلك ديغول بنفسه لألان بيريفيت عندما جاء هذا الأخير ليقدم عرضا » لمخططه:

 » في الحاصل، أنت تريد إقامة إسرائيل فرنسية. هذا ما أراد بن غوريون دفعي اليه عندما جاء لرؤيتي. إلا أنه حذرني جيدا »:  » لن ينجح هذا الأمر إلا إذا أرسلتم مستوطنين فرنسيين آخرين بأعداد كبيرة يقيمون إقامة دائمة ويتطوعون كجنود للقتال! »12 « .

في النهاية، رفض الجنرال ديغول هذا المخطط وبقي مصرا » على التخلص من العبء الجزائري. أما منظمة الجيش السري فقامت بكل ما في وسعها للتصدي لذلك يدفعها اليأس بكل ما يحمل من طاقة وعنف …

إسرائيل ومنظمة الجيش السري

على الصعيد الرسمي، بقيت العلاقات بين ديغول وبن غوريون الذين يكنان لبعضهما البعض كل احترام ظاهرها المودة والصداقة. أما باطنها فان الاتجاه الجديد الذي قرره الرئيس الفرنسي في الجزائر أزعج كثيرا » المسؤولين الإسرائيليين. وكانت منظمة الجيش السري تدرك هذا الأمر تمام الإدراك. لهذا السبب حاولت المنظمة التقرب من إسرائيل في سعيها الحثيث للحصول على مصادر دعم خارجية. ولا غرابة في ذلك إذا ما عرفنا أن بعض قادة المنظمة مثل الجنرال شال وخصوصا » الجنرال جوهو (الذي كان أحد كبار المستشارين عند إنشاء سلاح الطيران الإسرائيلي) كانوا مقربين جدا » من العسكريين في الدولة العبرية في الماضي بحكم رتبتهم العالية في هيئة الأركان العامة. والبعض الآخر مثل جان-جاك سوزيني وهو أحد مؤسسي منظمة الجيش السري والذي يمكن اعتباره صاحب أيديولوجيتها، كان من أشد المعجبين بالملحمة الصهيونية. ألم يكن يحلم بجعل منظمة الجيش السري كمنظمة الهاغانا إنما للأقدام السوداء؟

على كل حال، كانت الاتصالات بين الناشطين التابعين لمنظمة الجيش السري والإسرائيليين تجري على قدم وساق. على سبيل المثال، قصد الكولونيل شاتو-جوبير وهو أحد المسؤولين في منظمة الجيش السري في القسطنطينية مقر السفارة الإسرائيلية في باريس ليحصل على إمدادات بالمتطوعين الإسرائيليين ولكنه باء بالفشل13!

وقد ذكر في هذا السياق جان-جاك سوزيني وهو آخر قائد لمنظمة الجيش السري مؤكدا » لنا تلك المحاولات:  » كنا نبحث عن مصادر دعم خارجية ونرحب بأية مساعدة. نعم بالتأكيد حاول بعض أصدقائنا التقرب من الإسرائيليين ولكن دون جدوى. كان بإمكان إسرائيل فعل الكثير. ولكننا نستطيع تفهمهم [أي الإسرائيليين] … من الحساسية بمكان بالنسبة إلى دولة من الدول ولو كنا نتشارك الرؤية نفسها أن تدعم منظمة، لنقل هدفها التدمير … 14 « .

في الواقع، من الممكن تفهم تحفظ الدولة العبرية إذ أن إسرائيل وعلى الرغم من الثمن الغالي الذي قد تدفعه جراء التخلي عن الجزائر لم يكن بمقدورها أن تتمادى في مضايقة ديغول الذي كان يميل أصلا » إلى إنهاء حالة العشق والغرام بين فرنسا وإسرائيل. أضف إلى ذلك أن كميات مهمة من الأسلحة الفرنسية (بالتحديد طائرات ميراج 3 للعام 1960-1961) كانت تنتظر ليتم تسليمها إلى الدولة العبرية.

رغم كل ما بينته منظمة الجيش السري من عزم وفعالية (خصوصا » في الجزائر) ومن قدرة على تحقيق أهدافها لغاية شهر يناير 1962، كان من الحكمة والعقلانية اعتماد الحذر والحياد والنأي بالنفس بانتظار المخرج النهائي لهذه الحرب المندلعة بين الفرنسيين. كان من الضروري عدم الاستخفاف بديغول وبقدرته على تجاوز تلك المحنة …

لا شك أن الإسرائيليين تأثروا بحرب الأوروبيين في الجزائر التي كانت تذكرهم بما لا يحتمل الشك بحربهم السرية التي خاضوها قبل قيام دولتهم. ولكن من المؤكد أن الحس العملي طغا لديهم أمام أهمية المواضيع المطروحة.

إلا أن بعض الأحداث لم تفتأ تثير الريبة وبالتحديد فيما يتعلق بجاك سوستال. وفحوى الأمر أنه كما سبق ورأينا تمت ملاحقة جاك سوستال قضائيا » إثر خلافه مع ديغول ورحيله عن الحكومة في العام 1960 بتهمة المساس بأمن الدولة وسلطتها عبر تصريحاته المؤيدة لبقاء الجزائر داخل الجمهورية الفرنسية. فالتحق الوزير السابق بمنظمة الجيش السري ليصبح عضوا » في قيادتها. وقد صدرت مذكرة توقيف بحقه مما دفعه إلى السفر إلى الخارج (إلى إيطاليا بالتحديد) والعيش في الخفاء حتى العام 1968 تاريخ صدور قرار العفو عنه.

وقد ذكر برنارد أولمان في كتابه عن سيرة الرجل أن  » الموساد وهو جهاز المخابرات المركزي في إسرائيل حافظ على علاقات مقربة مع بعض الناشطين وعلى رأسهم جاك سوستال، الزميل السابق، الذي تعرف أجهزة تل أبيب جيدا » ميوله المؤيدة للصهيونية15 . من جهة أخرى، صرح اسحق شامير، رجل الدولة الإسرائيلي السابق الذي كان في شبابه أحد قادة منظمة ليحي وهي مجموعة متطرفة إرهابية رفضت التوقف عن القتال الشرس ضد القوات البريطانية خلال الأربعينات، في مقابلة مع شارل أندرلين16  بأنه التقى جاك سوستال في العام 1966 في منفاه. أما إسحق شامير فكان عضوا » في الموساد من العام 1955 إلى العام 1965 … وننهي بالقول إن جان-جاك سوزيني كان يؤكد     » كان الإسرائيليون يؤمنون جزءا » من الحماية وما يلزم من وسائل العيش بالخفاء لسوستال خلال اقامته في    ايطاليا17 ! » .

هذا الدعم الخارجي كما كل مصادر الدعم التي استطاع الاستفادة منها أعضاء منظمة الجيش السري في وقت أو في آخر كان يأتي من المجموعات والأفراد والمتعاطفين أو حتى من علاقات شخصية وأصدقاء أكثر مما كان يأتي من الحكومات أو بعض الأجهزة الحكومية.

لذا من غير المستغرب أن يحظى صديق للدولة العبرية كهذا رغم عدائه الصريح للجنرال ديغول بالمساعدة السخية عن طيبة خاطر من الإسرائيليين. هل كانوا عملاء رسميون يقومون بمهامهم أو معارف شخصية سابقة تدفعهم مشاعر الصداقة أو بكل بساطة تعبيرا » عن الامتنان للرجل الذي طالما دافع عن المصالح الإسرائيلية في فرنسا وفي العالم؟ من يعرف؟ للأسف لا نملك أي أثر يسمح لنا بالجزم حول طبيعة هذا الدعم الحقيقية ومصدره.

ما السبب الكامن وراء الموقف الإسرائيلي هذا تجاه الجزائر؟

من وجهة نظر إسرائيل، كان استقلال الجزائر يعني نهاية حقبة من الزمن لأن تحالفها مع باريس قام قبل كل شيء على مواجهتهما لأعداء مشتركين. كانت الدولة العبرية تجد في نهاية حرب الجزائر وإعادة العلاقات الديبلوماسية بين فرنسا ومعظم الدول العربية ما يستدعي القلق … في الواقع، كانت إسرائيل تعطي فرنسا وبقاءها في الشمال الأفريقي خصوصا » الأهمية البالغة.

أولا » من حيث الرمزية. لأن الرموز غالبا » ما تكون أكثر أهمية » مما نعتقد في زمن الحرب وبالأخص في مثل هذا النوع من الصراعات. في الواقع، إن أي انتصار تحرزه جبهة التحرير الوطني على قوة عظمى مثل فرنسا قد يتم اعتباره – وهذا ما حصل فعلا » – في العالم العربي وبالتحديد في الوسط الفلسطيني كمثل يحتذى وأمل يرتجى في الصراع ضد الصهيونية وإسرائيل.

على الصعيد الديبلوماسي، كانت فرنسا وهي القوة الأوروبية دولة ذات نفوذ فهي من الأعضاء الخمسة الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي. فضلا » عن ذلك، لو بقيت الجزائر فرنسية فمن شأن ذلك أن يشكل مصب غضب ثاني في العالم العربي والإسلامي مما كان « سيخفف » حتما » الضغط العربي على الدولة العربية و » يزيحه » عنها.

وأيضا »، لو بقيت الجزائر فرنسية فان أي تغيير قد يطرأ على سياسة فرنسا في البحر المتوسط والمشرق لن يرى النور ولن تكون هناك أي سياسة فرنسية مؤيدة للعرب-أو على الأقل بالمفهوم الذي أطلقه ديغول ووزير خارجيته موريس كوف دو مورفيل  » الرجل الذي جعل ريح الصقيع تهب على العلاقات الفرنسية-الاسرائيلية18  » وكلنا يعلم ما حققته تلك السياسة من انتصارات مشكوك فيها…

كما كانت فرنسا من كبار مصنعي الأسلحة التقليدية وعلى رأس الدول التي كانت تزود إسرائيل بالسلاح والمعدات ذات التقنية العالية وكانت قد حققت تقدما » كبيرا » في المجال النووي (دراية ومعرفة تشاركتهما مع إسرائيل19).

وعلى الصعيد العسكري والاستراتيجي المحض، كان وجود ذاك الحليف المهم مع جيشه ومخابراته السرية المتمرسة والخبيرة في الجزائر يشكل معطيات لا تقل أهمية عما سبق. فإسرائيل كانت تنظر بعين الرضى وفق سياسة الحزام « الثاني » الخاصة بها إلى التحالف مع الدولة التي تحد الدولة العدوة من الخلف والى الوجود العسكري الأوروبي في قلب بلاد المغرب العربي وخصوصا » في ظهر مصر المعاديةبقيادة عبد الناصر.

وكانت الجزائر الفرنسية تشكل أيضا » لإسرائيل ورقة رابحة على الصعيد الاستراتيجي والجغرافي نظرا » للمجال الجوي المتمادي الأطراف الخاص بالمستعمرة الفرنسية. فالدولة العبرية « المحشورة » جغرافيا » لصغر حجم أراضيها كانت لتستفيد من حرية طيران كاملة في أجواء الصحراء الكبرى مثلا » لأغراض تدريبية وقد تم لها ذلك فعلا » فيما بعد في الأجواء الأميركية والتركية (بعد توقيع اتفاقيات ثنائية).

وأخيرا » على الصعيد الاقتصادي كان من شأن الجزائر الفرنسية أن تخدم إسرائيل كمنصة عبور اقتصادية وتجارية وحتى ديبلوماسية إلى أفريقيا السوداء (إلا أن الدولة العبرية لم تجد صعوبة في النهاية بتخطي هذا الأمر إذ نجحت في إرساء قواعد تجارية واقتصادية وحتى ديبلوماسية في القارة السوداء). ولكن دعونا لا ننسى أن فرنسا كانت على وشك أن تصبح قوة نفطية وغازية بفضل الصحراء الكبرى، وهي مساحة استراتيجية شاسعة كانت توفر إمكانيات لا تقدر بثمن في مجالات الأبحاث النووية والفضائية أيضا ». كل هذه المعطيات الإيجابية إذا » كانت لتفيد الدولة العبرية بشكل أكيد وحتمي من جراء العلاقات الوثيقة بين الدولتين خصوصا » أنها تفتقر إلى المصادر الطبيعية.

إن الدولة العبرية أدركت تمام الإدراك أن مصير الجزائر مرتبط بشكل أساسي بيد الجنرال ديغول وهي التي رأت فيه على الأقل في البداية شأنها شأن الكثير من الفرنسيين رجل الدولة الفرنسي الوحيد القادر بحكم مكانته وهيبته على أن يفرض على العالم خيارا » يدينه الرأي العام الدولي ولكن يوافق مصالحها الخاصة …

ولم يحصل شيء من هذا كله. إسرائيل آمنتبمستقبل فرنسي للجزائر على عكس الغالبية العظمى من الفرنسيين!

وفي النهاية أجبرت الخيارات غير المنتظرة والمخيبة للآمال التي اتخذها الجنرال ديغول إسرائيل على إعادة النظر باستراتيجيتها وتموضعها وعلى التكيف بسرعة مع معطيات « اللعبة » الجديدة التي اعتمدتها فرنسا في البحر المتوسط وعلى إيجاد حليف قوي جديد بأسرع ما يمكن …

بعد نجاح اتصالاتها مع تونس والمغرب المستقلين، بدأت إسرائيل بمحاولة التقرب من المعتدلين في الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية وجبهة التحرير الوطني بهدف تطبيع العلاقات المستقبلية التي قد تقام بينها وبين الجزائر المستقلة. دون جدوى.

وعلى خط متواز، حاولت إسرائيل تحسين صورتها أمام الجنرال ديغول علما » أنه كان ميالا » كما رأينا سابقا » إلى إنهاء حالة الانسجام التام بين إسرائيل وفرنسا. وقد ذكر يوفال نيمان الوزير الإسرائيلي السابق والرئيس السابق للوكالة الفضائية الإسرائيلية أن أجهزة المخابرات الإسرائيلية كشفت في العام 1961 عن أحد المخططات العديدة لاغتيال الجنرال ديغول أعدت له منظمة الجيش السري. فما كان من الملحق العسكري المعين في باريس، أوزي نركيس، إلا أن همس في أذن ألان دو بواسيو، صهر ديغول ومساعده، محذرا » من المخطط فتم إحباط المؤامرة واعتقال منظميها21  .

حتى أن الطرفين وقعا اتفاقيات تجارية حتى العام 1964 ولكن في القلب شيء انكسر. وقد عبر عن ذلك السفير الإسرائيلي السابق في باريس قائلا »:  » لطالما رأت إسرائيل في فرنسا صدر الأم الحنون التي تجده أينما ذهبت والذي لا ينضب أبدا ». ولكن ديغول فطم هذه الدولة الرضيعة فجأة وبقسوة. »

أما القطيعة الرسمية فحصلت بين شهري مايو ويونيو من العام 1967، عشية حرب الستة أيام، حين هدد ديغول بفرض حصار على إسرائيل إذا ما أقدمت الدولة العبرية على البدء بالأعمال العدائية (وهذا ما حصل). وأخيرا » تم إعلان الطلاق عندما صرح الجنرال ديغول خلال مؤتمر صحفي بتاريخ 27 نوفمبر 1967 أن « إسرائيل دولة محاربة وأنها عازمة على التوسع » وأن « الشعب اليهودي شعب نخبوي، واثق من نفسه ويحب السيطرة ».

وفي الفترة الممتدة بين التاريخين ومنذ العام 1962 دفع التحول الفرنسي بإسرائيل إلى البحث بسرعة عن دعم الولايات المتحدة، على سبيل المثال. وكان يمكنها الاعتماد في ذلك على اليهود الأميركيين وعلى نظرة واشنطن الجديدة للدور الذي يمكن أن تلعبه في نهاية الأمر الدولة العبرية في المنطقة22.

وبالنتيجة، أصبحت الولايات المتحدة تشكل بالنسبة لإسرائيل ما كانت « فرنسا تشكله في الخمسينات ولن بشكل أفضل » فهي ومنذ ذلك الوقت خير داعم اقتصادي لها وأول مزود بالسلاح لجيشها وهي الدولة الصديقة والحليفة السياسية الوحيدة المهمة للدولة العبرية.

أما بالنسبة إلى فرنسا والدولة العبرية فيمكننا القول إن حرب الجزائر شكلت الخط الزمني الفاصل في علاقاتهما إذ ما كان بين الدولتين لن يعود أبدا » إلى سابق عهده …

مراجع:

1 ب. رازو، تزاهال، تاريخ جديد للجيش الإسرائيلي، ص. 134

2 م. بار-زوهار، شمعون بيريز وتاريخ إسرائيل السري، ص. 11

3 بخصوص اعتراض البحرية الفرنسية للسفينة آتوس مقابل ساحل وهران التي كانت تحمل أسلحة لصالح جبهة التحرير الوطني واختطاف بن بلا، راجع كتاب دوغلاس بورش، تاريخ المخابرات السرية الفرنسية، الجزء 2، ص. 127؛ كتاب إيان بلاك وبني موريس، حروب إسرائيل السرية: تاريخ المخابرات السرية الإسرائيلية، ص. 173؛ كتاب ايرفين م. وال، الولايات المتحدة وحرب الجزائر، ص. 87.

4 أرشيف مدينة ايكس، فرنسا الأرشيف الوطني لما وراء البحار، 91/3 ف128.

5هنري جاكين، الحرب السرية في الجزائر، ص. 164.

6 ب. ستورا، ثلاث مرات في المنفى يهود الجزائر، ص. 152-153

7 راجع ميكاييل لاسكييه، إسرائيل وبلاد المغرب العربي، من تأسيس الدولة إلى أوسلو، عن دار صحافة فلوريدا الجامعية، 2004

8 تم ذكر هذا الخبر مجددا » في جريدة لو كوتيديان دوران، في 16 مارس 2005، تحت عنوان  » الموساد حاربت جبهة التحرير الوطني »

9 يجدر الذكر أن جميع يهود الجزائر تقريبا » قصدوا فرنسا عند الاستقلال أمام استياء أكثر الصهاينة تحمسا » الذين تأملوا في هذه الجالية الكبيرة مددا » بشريا » كامنا » للدولة العبرية.

10 ب. ستورا، انظر آنفا »، ص. 163

11 جاك سوستال، الأمل الخائب، ص. 247-248

12 أ. بيريفيت، كان ذاك ديغول، ص. 85

13ج. فلوري، التاريخ السري لمنظمة الجيش السري، ص. 619

14 مقابلة مع جان-جاك سوزيني بتاريخ 24 أبريل 2009، واردة في كتاب ر. لومباردي، إسرائيل تهب لنجدة الجزائر، ص. 105

16 ش. أندرلين، شامير، ص. 290

17 مقابلة مع جان-جاك سوزيني بتاريخ 24 أبريل 2009، واردة في كتاب ر. لومباردي، إسرائيل تهب لنجدة الجزائر، ص. 107

18 ميشال بن زوهار، شمعون بيريز وتاريخ إسرائيل السري، ص. 184

19 بالنسبة إلى إسرائيل، شكل امتلاك السلاح النووي قفزة جيواستراتيجية نوعية بالغة الأهمية وحاسمة في توازن القوى بينها وبين الدول العربية المحيطة بها والتي لا تملكه أية دولة منها حتى يومنا هذا.

20 راجع ميكاييل لاسكييه، إسرائيل وبلاد المغرب الغربي، من تأسيس الدولة إلى أوسلو، دار صحافة فلوريدا الجامعية، 2004. يعلمنا البروفيسور الإسرائيلي أن الجزائريين الذين كانوا على هامش الجهاز القيادي في جبهة التحرير الوطني ممن تواصلوا مع الإسرائيليين من الأوساط المتطورة تم القبض عليهم جميعا » وقد اتخذت الجزائر المستقلة سريعا » موقفا » معاديا » لإسرائيل.

21 عن مجلة لو نوفيل اوبسرفاتور، العدد 2101 بتاريخ 10 فبراير 20015.

22 ج. توماس، تاريخ الموساد السري، من 1951 إلى الحاضر، ص. 135. أبراهام فاينبرغ وهو يهودي من المتبرعين الأثرياء في الحزب الديمقراطي تدخل مباشرة لدى الرئيس كيندي … ولكن لم يحصل التحول البارز والايجابي في طريقة التعامل الأميركية تجاه إسرائيل إلا منذ نهاية العام 1963 (كان التوقيت ملائما » جدا » لأنه في تلك الفترة خف التحالف الفرنسي فجأة). في الواقع، كان الرئيس الأميركي الديمقراطي الجديد، ليندون جونسون، صديقا » للدولة العبرية وكان يرى فيها الحليف الثمين جدا » في الصراع العالمي ضد الشيوعية.