الإعلام العمومي وقصة الحمار الجريء 

نافذة الأمل التي فتحت أمام الجزائريين واستبشروا بها خيرا عندما رأوا رؤوس عصابات الفساد يزجّ بها في السجن، بعد الهزة التاريخية التي أحدثها الحراك الشعبي في الثاني والعشرين فبراير 2019، تبدو هذه النافذة في طريقها إلى التراجع نحو الغلق، في ظل التعامل المريب الذي صار عليه المشهد الإعلامي لاسيما في المؤسسات العمومية إزاء تطورات الأحداث المرتبطة بالحراك الشعبي وبالاستحقاق السياسي القادم المتمثل في الانتخابات الرئاسية.

وأنا أتابع تطورات الوضع عن كثب، جمعة بعد جمعة، تاه في ذهني أن أفهم لماذا ضيعت السلطة الفعلية فرصة كسب القدر الكامل من ثقة الشعب بعد أن تحقق لها نصيبٌ هائل من هذه الثقة عندما قررت مرافقة الحراك الشعبي وإعلان الحرب على رموز الفساد أو ما صار يُعرف بحملة  » المنجل «  في المصطلح الشعبي  ..  ما تم أخذه بيدٍ ضاع من اليد الأخرى بعد أن تفاجأ الرأي العام برؤية عدد من النشطاء الحقوقيين يُساقون إلى السجن في حين تلْقى الآراءُ التي أُوقفوا بسببها استحسانا في أوساط الحراك الشعبي. كان بإمكان المؤسسة العسكرية أن تربح الرهان كاملا لو أتبعت حملة ضرب رؤوس الفساد بإجراءات تطمينية في اتجاه الحراك الشعبي ، كان بإمكانها أن تدفع بأمر مرافقتها للحراك إلى ما يشجع على اختيار (عن طريق الانتخاب عبر شبكات التواصل الاجتماعي) ممثلين عن الحراك يكونون بمثابة قوة اقتراح يزكيها الشعب للمساهمة في إعداد خارطة الطريق التي تقود البلاد إلى بر الأمان. عوض أن يتحقق هذا، اختارت السلطة الفعلية،للأسف، سياسة التخويف والتضييق وتجلى ذلك من خلال حملة الاعتقالات التي طالت عددا من الرموز الأكثر بروزا في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان يتقدمهم الرباعي لخضر يورقعة، فضيل بومالة، كريم طابو وسمير بلعربي.أما فيما يخص الجانب التضييقي فإن هذا التوجه الذي اتخذ من وسائل الإعلام خاصة العمومية منها، معوله المفضل، عاد بنا إلى الوراء عوض أن يتقدم بنا إلى الأمام، عاد بنا إلى عهد الأحادية حيث كانت مؤسسةُ الإذاعة والتلفزيون تجد نفسَها مُجْبرة على أداء دور الدعاية وليس الدور الإعلاميلتسويق الخطاب الرسمي، خطاب التعبئة السياسية بشعارات جوْفاء هدفُها استقطاب الدعم الجماهيري وضمان التفاف الشعب حول أهداف ما كانت تعرف  » بثورة البناء والتشييد « ، والواقع أن هذا التسويق كان كَمَنْ يسعى لبيْع سلعة لمنْ لا يشتريها، لأن العرض كان هو هو، والسلعة كانت هي نفسها، بدون أي مجال للتنوع ولا للمنافسة، لا  صوت يعلو على صوت السلطة ولا رأي إلا رأيها. تجلت لي هذه الصورة وأنا أتابع  محتوى إحدى النشرات الإخبارية عبر التلفزيون العمومي وكانت إحدى فقراتها تعرض جملة من آراء المواطنين حول الموعد الانتخابي القادم، كل الآراء المعروضة كانت مؤيدة لتنظيم الانتخابات !!!، هل يعقل أن لا يكون هناك رأي واحد يعارض أو على الأقل يشكك في إمكانية نجاح العملية الانتخابية في الظروف الراهنة ؟، هل يعقل أن يمتنع التلفزيون العمومي عن بث رأي واحد مخالف، في الوقت الذي يخرج فيه عشرات الآلاف إن لم أقل مئات الآلاف من المواطنين إلى الشوارع كل يوم جمعة للتعبير عن رفضهم للخيارات التي تطرحها السلطة ؟

من فرط المبالغة في الدعاية لتمرير الخطاب الرسمي، الآن كما كان بالضبط إبان عهد الحزب الواحد، صارت المادة الإخبارية في تقارير الصحفيين، عبارة عن اجترار مُمل لشعارات جوفاء يتسبب ترديدها في كل مرة، في تعميق الهُوّة بين الخطاب الرسمي والواقع.

يُذكّرني هذا التراجع المريب بحادثة طريفة تصلح لأن تكون قصة بالصورة الكاريكاتورية عن انعكاسات النظام الأحادي على التناول الإعلامي لقضايا المجتمع وحتى على سلوك المواطن في تعامله مع وسائل الإعلام.

بطل هذه القصة الطريفة هو الزميل ذو الروح الخفيفة والنكتة الظريفة  » الفقيد  قادري الصغير  » رحمه الله. كُلف بطلنا ذات مرة ، خلال السبعينيات،  (حينها كانت الإذاعة والتلفزيون مؤسسة واحدة) بإنجاز روبورتاج  مصور بإحدى ولايات الداخل حول المزارع النموذجية  في إطار برامج  الثورة الزراعية ،  وكان صاحبنا متحمسا لإنجاز هذا العمل عاقدا العزم على أن يُركّز في استجواباته على المشاكل التي كان يفترض أن تواجه الفلاحين وسائر عمال المزارع، في ذلك الوقت، لاسيما منها المشاكل المرتبطة بالتعقيدات البيروقراطية.

تهيأ صاحبنا لهذه المهمة بما يسمح له بانتزاع شهادات وتصريحات جريئة تضفي على عمله قدرا كبيرا من المصداقية ، وراح يختار من بين الفلاحين الذين يرغب في استجوابهم من تبدو عليهم علامات الإحباط والاستياء وتعكس حالاتهم  استعدادا بيّنا للتعبير عن السخط والاستنكار.

تًقدّم من مُحدّثه الأول وبدون مقدمات باغته بسؤال مباشر قائلا : « يا الشيخ يالشيخ هل لديكم مشاكل ؟ »

همً الشيخ بإفراغ شُحنة من الغيظ  لولا أنه انتبه إلى  الكاميرا التي ترافق صاحبنا الفضولي فانقلب حاله إلى شخص آخر في غاية الابتهاج والسرور معلقا بالقول : « لا ما عندناش مشاكل ، الحمد لله ، يحيا بومدين ، تحيا الجزائر»

لم ييأس صديقنا الصحافي وأعاد الكرّة مع شخص ثان و ثالث ثم رابع ، وفي كل مرة كان يُستقبل بعبارات الارتياح والتهليل والتبجيل.

تأكد صاحبنا بأن محاولاته الجريئة كانت تسقط الواحدة تلو الأخرى كأوراق الخريف ولكن إصراره على العودة بصرخة شاهد على الحقيقة أحال نظره إلى الحمار الذي كان يركبه آخر المستجوبين، فاندفع على الفور يسأل الحمار: « وأنت كيف حالك، هل أنت بخير؟ ».

بدون تردد أجاب الحمار سائله بالنفي القاطع وهو يميل برأسه يمينا وشمالا وينهق بملئ فيه وبأعلى صوته.

وهكذا يجرأ الحمار على قول الحقيقة ويحقق صاحبنا الزميل المرحوم قادري الصغير سبْقا صحفيا لم يحققه أحد من قبله ، غير أن شهادة صديقنا الحمار ظلت في الذاكرة الشفهية (مقفولا عليها).