أيّ عيد لعمال شركة « صوناطرو »؟… مآسي الشركات الوطنية تتواصل / روبورتاج

العاشرة صباحًا. سحبٌ رمادية تحجبُ الشمس. جوٌ خانق. الهدوء يُخيّمُ على مصانع وشوارع المنطقة الصناعية لرغاية، شرق العاصمة. لكن ما أن تقترب من باب إحدى الشركات حتى يبدأ الضجيج. وهنا نتساءل هل وصل الحراك الشعبي إلى هذه الضاحية البعيدة؟ هل تحرّكت الأمور هنا؟

2 ماي، يومٌ بعد العيد العالمي للعمال، وقفَ حوالي 40 عامًلًا وعاملة في الشركة الوطنية لكبريات أشغال الطُرق (المعروفة باسم SONATRO، صوناطرو) أمام مبنى الإدارة مُحتجين على أوضاع العمل وتعسّف الإدارة ولكن أيضًا على موتِ زميلهم ونقيبهم السابق فضيل منصوري يوم 8 أفريل الماضي.

ما أن ندخل إلى الساحة الأمامية الجميلة للشركة (والتي يقول لي لاحقًا أحد العمال بخصوص مظهر الشركة الخارجي: من برّا جنة ومن داخل جهنم) حتى يتسارع العمال نحونا، زميلتي وأنا. يبدأ الجميع في الحديث وتتوه الأصوات حتى يصل عونُ أمنٍ يطلبُ منّا أن نتراجع ونقف جنب الباب. نتراجع حيث أشار، ونبدأ الحديث مع العمال، ننقسمُ إلى مجموعتين، أحاول إخراج هاتفي للتصوير فيطلب مني نفس العون إطفاء الهاتف لأنني: « في مؤسسة »، وقبل أن أجيبه أسمع صوت إحدى العاملات: « صوّر، لازم تصوّر، ما عندوش الحق ».

أفهم أن العمال ليسوا في إضراب، بل في احتجاج منذ أسابيع، اندلع إثْرَ الوفاة المفاجأة للأمين العام السابق للنقابة السيد فضيل منصوري داخل مبنى الشركة بسكتة قلبية. أسأل عن قصة منصوري، فيصمتُ الجميع ويدعون إحدى موظفات الإدارة تتكلم، محاسبة تعمل منذ عشر سنوات في الشركة ولا يتعدى راتبها الـ 30,000 دج، وهي مُضطرة –مثل الجميع- لتجديد عقدها كل ثلاثة أشهر، بعدما كان كل عام. المهم، تقول أن فضيل منصوري دخل للعمل بالشركة سنة 1992، أي منذ 27 سنة، وتنقل بين عدّة وَحَدات للشركة التي كانت في عهدها الذهبي تُشيّد طرقات ومطارات الجزائر والدول الإفريقية المجاورة. عمل في العاصمة كما عمل في الصحراء، وعاش مع عائلته في تندوف.

« فضيل منصوري، الذي تُوفي عن عمر 54 سنة، كان أمينا عاما للنقابة حتى حوالي سنة 2012-2013، قبل أن تُلفّق –حسب رواية العمال- له قضية اعتداء جنسي داخل الشركة، الأمر الذي تسبّب له في ملاحقات قضائية وكذا مشاكل عائلية » تقول مُحدّثتي، ثم تواصل « لكن العدالة برّأته من التهمة، هذا الأمر تسبّب له في مشاكل عديدة، وهو كان مريض بالقلب، بعد البراءة  ومشاكل القلب الإدارة أخرجته بحجة أنه عنده عُطَل لم يأخذها وبحجة العطلة المرضية، هو عاد إلى تندوف، وطبعًا كانوا قد سحبوا منه الثقة ولم يعُد أمينا عاما للنقابة. وخلال كل هذا الوقت جاؤوا ناس جدد واستلموا النقابة وصاروا يدا واحدة مع الإدارة ضد العمال، يتكلمون باسمنا ويمرّرون كل القرارات ويأخذون لأنفسهم الامتيازات ».

شركة صوناطرو التي لا يتجاوز عمالها 900 كانت تضم 6000 عامل في أوج عطاءها، كان ذلك في الثمانينات، لكن لاحقًا –أي بعد التسعينات خاصة- تغيّرت الأمور، وصار المقاولون أصحاب الشركات الخاصة هم من يتكفلون بتشييد الطرقات وبناء المطارات. يخبرني أحد العمال، الذي دخل الشركة وهو شاب صغير وأفنى فيها 36 سنة من عمره، أن راتبه لا يتجاوز 36,000 دج، يضحك ويقول: « 1000 دج لكل عام، تصوّر ! » ثم يضيف: « تصوّر صارت الشركات الخاصة تأخذ المشاريع من الدولة ثم تترك لنا الفتات (يذكر اسم شركة رجل أعمال مهم يقبع الآن في السجن)، ونحن مؤسسة وطنية عريقة، تأسست في وقت فرنسا ثم أمّمتها الدولة في الستينات ! »

لكن ماذا حدث يوم 8 أفريل؟

حسب العمال فإن السيد منصوري عاد إلى الشركة مع الحراك الشعبي، كما تحركت كل الجزائر فإن هذا النقابي تحرّك وعاد إلى الشركة كي يبحث عن حل لوضعيته ووضعية النقابة التي خرجت من صف العمال. سافر من تندوف إلى العاصمة وجاء لمقابلة الإدارة والنقابة الحالية، مع مجموعة من العمال لـ « استرجاع » النقابة. وقبل ذلك بأيام بقي معتصما في إضراب عن الطعام لمدة أيام. يريني أحد العمال صورة له أمام سور المؤسسة، فتنطق موظفة أخرى: « مسكين كان قاعد وواحد ما يشوف فيه، دمروا له حياته… العصابة داخل الشركة هذي يشوفوا فينا أقل من البشر، تقول رانا في غابة ». حتى جاء يوم 8 أفريل الذي عُقِدَ فيه اجتماع بين النقابة الحالية وفضيل منصوري ومعه ثلاثة عمال، بحضور المدير العام.

بخصوص هذا الاجتماع فهناك روايتان. رواية العمال تقول أن النقاش احتدّ بين منصوري وأعضاء النقابة الحالية – »هو اللي علمهم ما معنى نقابة، هو اللي كونهم » يقول أحد العمال- مما أدى إلى وقوع منصوري أرضا وموته بسكتة قلبية، ويقول سيد علي الذي قضى 20 عاما في الشركة: « قعدوا يضحكوا في البداية عليه، تصوروا أنه قاعد يمثل. » ويضيف عامل شاب له 8 سنوات في الشركة: « سيارة الإسعاف التي تملكها الشركة لم تتحرّك، انتظروا حتى وصل رجال الإطفاء ليجدوه ميتًا. »

أما رواية الإدارة، والتي استمعنا لها بعد مقابلة مدير الموارد البشرية السيد مغراوي والذي لم يكن حاضرا يومها ولكنه الوحيد الذي فتح لنا مكتبه، فما حدث هو كالتالي: « السيد منصوري بات ليلته في مستشفى بتندوف بسبب مشاكل القلب، ثم سافر إلى بشار حيث دخل المستشفى أيضًا، ثم وصل صباحا إلى رغاية، وبعد ساعتين من النقاش سقط أرضا. الأمن استدعى الحماية المدنية لأن مقرهم ليس بعيدًا ولأنهم مؤهلون أفضل من سيارة إسعاف بسائق. » وعندما سألت مدير الموارد البشرية بخصوص تاريخ السيد منصوري في الشركة أشار إلى قضيته –والتي يقول العمال أن الإدارة هي من لفّقتها له- التي برأته العدالة منها، ولكن يبدو أن هذه البراءة لا تعني الكثير لإدارة الشركة بقدر ما تعني لهم إدانة النقابي المرحوم، وهذا ما ظهر من خلال تجاهل هذا الشق –أي البراءة- والتركيز على التهمة والحُكم الغيابي الذي لم ينفّذ.

أما نقطة تحسين ظروف العمل، والاحتجاج على تدنّي الأجور وسياسة العقد الذي يدوم 3 أشهر، فرأى السيد مغراوي أن هذه هي سياسة الشركة والتي تُحاول أن تنتقل إلى ترتيب وتنصيف أحسن من تصنيفها الحالي، مُعتبرًا أن مشاكل العمال هي مع النقابة وليس مع الإدارة. لكن هل يُعقل رمي الكرة في ملعب عُمال مُجرّدين من أبسط حقوق العمل؟ أسأله هذا السؤال مُستدّلًا بحالة العامل الذي فقد الرؤية بعينه اليمنى بعد انفجار بطارية على وجهه، وبالإضافة إلى أنه لم يتلقى رعاية طبية من الشركة بعد ذلك حسب قوله فهو لم يستلم راتبه طيلة الست أشهر الأخيرة.

عودةً للعمال

يصفُ سيد علي وزملاؤه العمل في الجنوب كمستعمرة عقابية، يقولون أن الشركة تملك وحدات في أقصى الجنوب الجزائري: شناشن، تينزاواتين، عين أزاوا… يُرسَلُ العامل إلى هناك عاريًا من كل التحصينات. بمعنى، لا كهرباء في الغرف، لا مطبخ، لا حمام ولا مرحاض… ظروف كارثية في طبيعة ومحيط قاسي. يقول أحد العمال الذي يعود أصله لولاية ميلة، وقضى أزيد من ثلاثة عقود عمل في الشركة، أنه كان في عين قزام عندما توفي والده قبل سنوات، لم تتمكن عائلته من إخباره ولم يصل سوى متأخرا بكثير، أو كما وصف الأمر: « لما يموت لك واحد، تجي تنحي الحشيش من فوق قبره ».

بالنسبة للإدارة فإن هؤلاء العمال لا يمثلون كل عمال الشركة الذي يصل عددهم لقرابة الـ 900، إلا أن المحتجين يؤكدون بأن العمال في الورشات والمعسكرات التي تملكها الشركة لا يملكون حتى حق التنقل والمجيء للشركة كي يشاركوا زملاءهم الاحتجاج. تريني إحدى الموظفات شهادة راتبها الشهري، لا يتعدى الـ 30,000 دج رغم أنها في المؤسسة منذ 20 سنة. تقول: « عملوا فيا الباطل، لو كنت بالعقد لكانوا طردوني، ولكنهم يواصلون تهميشي وظلمي، الآن أنا أعمل في أسوء قسم بالشركة، تحت الأرض مع الجرذان، وكل هذا لأني أتكلّم على حقوقي، لا أحد يدافع عن حقوقنا. الإدارة تحتاج النقابة في السوق وتحتاج موافقتها عند دخول السوق، المدير العام نفسه خرج من صوناطرو سنة 2007 وعاد بعد عشر سنوات لينتقم من الجميع، يتعاملون مع هذه الشركة كأنها إرث عائلي، عندهم السيارات وقسيمة البنزين ويأكلون في مطعم آخر غير مطعمنا، ويأخذون رواتب أكبر بكثير من رواتبنا، بحكم ماذا؟ هذا الكل معرفة ! »

الواحدة زوالا. العمال تعبوا من ترديد نفس القصص، يسألونني إذا ما كُنت أعرف صحافيين في التلفزيون حتى يأتوا ويصوّروا، يسألونني كيف يمكنهم الاتصال بالقناة الفلانية. أرى أمامي حالة العامل الجزائري الذي تساءل الكثيرون عنه البارحة خلال مظاهرات عيد العمال، من دون نقابة ومن دون حقوق، ثم ما هي الحقوق في قانون عمل متعسّف؟ وما هي النقابة في ظل قلعة النقابة المركزية التي يحكمها سيدي سعيد عبد المجيد الذي لا يتوانى عن شتم الناس والتكاتف مع أرباب العمل ضد العمال؟ وما هي الصحافة في بلدٍ تهرعُ كاميرات القنوات لاصطياد صورة مسؤول سيُحاكم شكليًا وتتجاهل آلام ومشاكل الشعب البسيط، الوحيد اجتماعيا وسياسيا؟ هذه الوِحدة الاجتماعية والسياسية التي نشعرُ بها جميعنا في بلدٍ بحجم قارة يعيش اليوم بين أطلال ما تبقى من شركات وطنية ضاعت أمجادها وبنايات شاهقة لمّاعة لرجال أعمال يعرف الجميع كيف أكلوا كتِف الاقتصاد الوطني.